رابعاً: أحواله صلى الله عليه وسلم مع أمته في رمضان: حاله صلى الله عليه وسلم مع أمته في رمضان هو جزء لا يخرج عن الصورة العامة لهديه في سائر العام، مع مزيد توجيه وتعليم فيما يخص رمضان، وقد تقلب صلى الله عليه وسلم مع صحابته في هذا الشهر بين أحوال عدة، جملتها فيما يأتي:
* تعليمه صلى الله عليه وسلم لأصحابه. ومن ذلك: حديث شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» [62].
والتعليم مهمة الأنبياء وأتباعهم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً» [63]، وقال الأسود بن يزيد: "أتانا معاذ بن جبل اليمن معلماً وأميراً" [64]، وهي مهمة شريفة عليَّة الرتبة، بها يرتفع شأن صاحبها، ويعظم أجره، ويزيد برُّه، ويعم خيره، ويبقى ذكره... وللدعاة في رمضان فرصة دعوية سانحة حريّة بالاغتنام مع بذل غاية الجهد في تعليم الناس وتفقيههم وتعريفهم حقيقة الإسلام والإيمان، واستغلال إقبالهم على المساجد في استصلاح قلوبهم وأعمالهم.
* إرشاده صلى الله عليه وسلم لأصحابه وتوجيهه ووعظه لهم. ومن ذلك: حديث ابن عمر قال: «اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان، فاتُّخِذَ له فيه بيت من سعف، قال: فأخرج رأسه ذات يوم، فقال: إن المصلي يناجي ربه عز وجل فلينظر أحدكم بما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة» [65].
* تحفيزه صلى الله عليه وسلم لأصحابه على المبادرة في العمل الصالح وبيان ثواب ذلك لهم. ومنه: حديث أبي هريرة في الحث على الصيام، وفيه: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» [66].
وتحفيزه صلى الله عليه وسلم دليل على حرصه على نفع صحبه الكرام، وعلى أن النفوس مهما بلغت من الكمال والمسابقة في الخيرات لا تستغني عن النصح والتوجيه ترغيباً وترهيباً. وقد أفرط قوم في ذلك فصار حديثهم يكاد لا يخرج عن ذلك في رمضان وغيره! حتى ألفته النفوس وملَّته، وفرّط آخرون فصار حديثهم جافاً غليظاً لما أهملوا خطاب القلوب وتحريك العاطفة، في الوقت الذي أهمل فيه الأولون خطاب العقل وتحريك الفكر. ومنهج القرآن بين هذين، فليكن لأتباعه منهجاً.
* إفتاؤه صلى الله عليه وسلم لمن سأله من أصحابه، وعدم معاتبته لمن أذنب وجاء تائبا مستفتياً. فعن عائشة قالت: «أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله! احترقت احترقت! فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنه؟ فقال: أصبت أهلي، قال: تصدَّق، فقال: والله يا نبي الله! ما لي شيء وما أقدر عليه، قال: اجلس فجلس، فبينا هو على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدق بهذا، فقال: يا رسول الله! أغيرنا؟ فوالله! إنا لجياع ما لنا شيء! قال: فكلوه» [67]، ومثله حديث سلمة بن صخر الأنصاري [68].
وهذا الموقف وأشباهه في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم داع لحَمَلةِ رسالته أن تمتلئ قلوبهم رحمة بالمدعوين تورث رقة في التعامل معهم، ورفقاً بسائلهم، وشفقة على مذنبهم. تلك الميزة التي تضعف لدى بعض المنتسبين للعلم والدعوة والإصلاح حيث يظنون أن المقصر لا يستحق إلا التوبيخ والتقريع والذم والإسقاط جزاء تقصيره، ويغيب عن أذهانهم هديه صلى الله عليه وسلم وصنيعه مع من واقع زوجته في رمضان، وغير ذلك كالذي بال في المسجد، والذي تكلم في الصلاة؛ بل حتى مع من طلب الإذن له بالزنا! والدافع إلى ذلك كله الرغبة في هداية الخلق ورحمتهم والعطف عليهم. ويتأكد الأمر في رمضان حين يقبل عامة الناس على المساجد، وتكثر أسئلتهم عن أحكام الصيام، وعما اقترفوا من الذنوب.. إن هؤلاء يفتقرون إلى قلوب حانية رقيقة تمسح موضع الداء بلطف، وتعالجه برفق وتخفف المصاب حتى يظهر للمخطئ الصواب، فيعود إليه.
* إمامته صلى الله عليه وسلم بالناس. وقد أَمَّ أصحابه في قيام الليل في بعض ليالي رمضان، وما منعه من الاستمرار إلا خشيته صلى الله عليه وسلم من أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها.
* خطبته صلى الله عليه وسلم فيهم وحديثه إليهم عقب بعض الصلوات [69].
* جعله صلى الله عليه وسلم من نفسه قدوة لأصحابه، ومن الدلائل على ذلك:
1- خروجه صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليصلي فيه من الليل، كما في حديث عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته..." [70].
|