
2013-10-16, 07:48 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
الباب الثاني : منهج ابن جزي في التفسير بالمأثور :
الفصل الأول : تفسيره للقرآن بالقرآن :
لقد التزم ابن جزيّ –رحمه الله- في كتابه التسهيل بتفسير القرآن بالقرآن أولاً ، فإن لم يجد في القرآن ما يفسره ، انتقل إلى السنّة ، فإن لم يجد فانتقل إلى ما بعدها وهكذا كما سيأتي بيانه –باذن الله- ، وقد نصّ على ذلك في مقدمته النفيسة لتفسيره ، حيث قال بعدما عقد باباً في أسباب خلاف المفسرين ، ذكر فيها أوجه الترجيح ، وسرد اثنا عشر وجهاً ، فقال : ( وأمّا وجوه الترجيح فهي اثنا عشر ، الأول : تفسير بعض القرآن ببعض ، فإذا دلّ موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه ، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال ، الثاني : حديث النبي صلى الله عليه وسلم ...الخ ) [1] ، ثم سرد الأوجه ، وسيأتي ذكر بعضها –بإذن الله- ، ومن قرأ تفسيره أو بعضه ، تبيّن له جليّاً التزامه بهذا النوع من التفسير .
ونذكر أمثلة على ذلك :
1. تفسيره لـ "كلمات" ، في قصة آدم ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) ( البقرة : 37 ) ، بآية الأعراف ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ) (الأعراف : 23)، فقال : ( (كلمات) هي قوله : (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) ، بدليل ورودها في الأعراف ، وقيل غير ذلك )[2] ا.هـ .
2. تفسيره لمعنى الولاية في سورة يونس ، بالآية بعدها ، حيث قال : ( (أولياءَ الله) اختلف الناس في معنى الوليّ اختلافاً كثيراً ، والحقّ ما فسره الله بعد هذا بقوله : (الذين آمنوا وكانوا يتقون) (يونس : 63 )، فمن جمع بين الإيمان والتقوى ، فهو الوليّ ) [3] .
3. تفسيره للإنسان الهلوع بالآية بعدها ، وذلك في سورة المعارج ، فقال : ( سئل أحمد بن يحيى -مؤلف الفصيح- عن الهلوع ، فقال : قد فسّره الله فلا تفسير بعد تفسيره ، وهو قوله تعالى : ( إذا مسّه الشرّ جزوعاً ، وإذا مسّه الخير منوعاً ) (المعارج : 20-21) ) [4] .
وما ذكرناه ليس حصراً ، وإنما هو للتمثيل بياناً للمراد ، وتثبيتاً لما ألزمه المؤلف نفسه ، وغيرها كثير .
الفصل الثاني : منهجه في عرض القراءات :
اعتمد المؤلف – رحمه الله – في تفسيره على قراءة واحدة جعلها أصلاً ، واستفاد من غيرها من القراءات بقدر ما فيها من زيادة معنى ، ولم يجعل تفسيره جامعاً للقراءات ، واستغنى عن ما لا فائدة فيه زائدة ، وقد نصّ على ذلك في مقدمته حين تكلّم عن علوم القرآن ، وذكر منها القراءات، فقال : ( وإنما بنينا هذا الكتاب على قراءة نافع ... وذكرنا من سائر القراء ما فيه فائدة في المعنى والإعراب وغير ذلك ، دون ما لا فائدة منه زائدة ، واستغنينا عن استيفاء القراءات لكونها مذكورة في الكتب المؤلفة فيها )[5] ا.هـ . وقد يذكر ابن جزيّ أحيانا من قرأ بها ، وأحياناً يكتفي بقوله (قرئ) .
وإنّ مما لا شكّ فيه ، أنّ بعض القراءات قد تفسّر معنىً في آية، أو تبيّن مجملاً فيها ؛ فمثلاً آية الحيض في سورة البقرة وما ورد فيها من خلاف في جواز الوطء بعد الطهر وقبل الغسل ومنعه، فنجد أن ابن جزيّ –رحمه الله- ، استند على قراءة أخرى جعلها مرجحة له في اختيار قول دون آخر ، فقال : ( (فإذا تطهّرن) أي اغتسلن بالماء ، وتعلق الحكم بالآية الأخيرة عند مالك والشافعي ، فلا يجوز عندهما الوطء حتى تغتسل ، وبالغاية الأولى عند أبي حنيفة، فأجاز الوطء عند انقطاع الدم وقبل الغسل ، وقرئ (حتى يطّهّرن) بالتشديد ، ومعنى هذه الآية بالماء ، فتكون الغايتان بمعنى واحد ، وذلك حجة مالك )[6] .
ونرى أن ابن جزي قد يضعّف رواية أو قراءة ولو كانت سبعيّة ؛ لمخالفتها للغة مثلاً ، ولكن بلطف وأدب ، وأقل حدة من غيره الذين عنّفوا على القارئ والقراءة ، حيث يقول مثلاً : (النحاة لا يرون هذا جائزاً) أو أشباه هذه من الألفاظ ، فقال في آية النساء (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) (النساء : 1 ) : ( (والأرحام) بالنصب عطفاً على اسم الله ، أي اتقوا الأرحام فلا تقطعوها ، أو على موضع الجار والمجرور ، وهو (به) ؛ لأنه موضع نصب ، وقُرئ بالخفض عطفاً على الضمير في (به) ، وهو ضعيف عند البصريين ؛ لأن الضمير المخفوض لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض ) [7] .
</B></I>
|