
2013-10-16, 07:49 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
الفصل الرابع : تفسير الصحابة :
وقد نصّ ابن جزي –رحمه الله- على هذا النوع ، وذكره من أوجه الترجيح ، وقيّده بمن يقتدى به من الصحابة ، فقال : ( الرابع: أن يكون القول قول من يقتدى به من الصحابة ؛ كالخلفاء الأربعة وعبد الله ابن عبّاس ) [15] ، وقال أيضاً : ( واعلم أنّ المفسرين على طبقات ؛ فالطبقة الأولى : الصحابة –رضي الله عنهم- ، وأكثرهم كلاماً في التفسير ابن عباس ، وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عبّاس ، ويقول : كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ، وقال ابن عباس : ما عندي من تفسير القرآن فهو عن عليّ بن أبي طالب ، ويتلوهما عبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وزيد ابن ثابت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكل ما جاء من التفسير عن الصحابة حسن ) [16]. ونلمس من كلام ابن جزيّ السابق، حرصه على آراء ابن عبّاس ، وتعظيمه لها ، وهذا واضح جليّ في تفسيره، فيذكر رأي ابن عباس كثيراً ، ودون عزو ذلك إلى أحد كتب التفاسير المصنفة . وقد يعبّر المؤلف عن الصحابة بقول السلف دون التصريح بأنهم الصحابة ، ويتضح مراده بالسلف من السياق ؛ كقوله في آية (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (الأنفال : 33) : ( قال بعض السلف : كان لنا أمانان من العذاب ، وهما وجود النبي صلى الله عليه وسلّم ، والاستغفار ، فلمّا مات النبي صلى الله عليه وسلّم، ذهب الأمان الأوّل وبقي الآخر )[17]. ونذكر مثالاً لتفسير ابن جزيّ لآية ، ذكر فيها تفسير أبي بكر ، وتفسير عمر ، ورجّح بينهما بما اقتضاه الحديث المرفوع، وهذا فيه دلالة على منهجه في تفسير القرآن بالسنّة ، وتفسير القرآن بقول الصحابي ، وبيان الأولى منهما عنده ، فقال عند قوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) ( فصلت : 30 ) : ( (ثم استقاموا) قال أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- : استقاموا على قولهم "ربنا الله" ، فصحّ إيمانهم، ودام توحيدهم ، وقال عمر بن الخطّاب : المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي . وقول عمر أكمل وأحوط ، وقول أبي بكر أرجح؛ لما روى أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال : " قد قالها قوم ثم كفروا ، فمن مات عليها فهو ممن استقام"[18] )[19] .[20]
الفصل الخامس : تفسير التابعين :
لقد ذكر ابن جزيّ في حديثه عن طبقات المفسرين –بعد ذكره الصحابة- التابعين ، فقال : ( والطبقة الثانية : التابعون ، وأحسنهم كلاماً في التفسير الحسن بن الحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد مولى ابن عبّاس ، وعلقمة صاحب عبد الله بن مسعود ، ويتلوهم عكرمة وقتادة والسدي ، والضحاك بن مزاحم ، وأبو صالح وأبو العالية ) [21] ، ولكن ابن جزي قليلاً ما ينسب أقوال التابعين إلى أصحابها ، وذلك لسببين ذكرهما في خطبة الكتاب ؛ الأول : قلة صحة الإسناد عنهم ، والثاني : اختلاف الناقلين في النسبة[22] . ومن ذلك قوله في آية الشعراء (الذي يراك حين تقوم"218"وتقلبك في الساجدين"219") (الشعراء : 218-219) : ( أي حين تقوم في الصلاة ، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات ، وتقلّبك في الساجدين معطوف على الضمير المفعول في قوله يراك ، والمعنى أنه يراك حين تقوم وحين تسجد ، وقيل معناه يرى صلاتك مع المصلين ، ففي ذلك إشارة إلى لصلاة مع الجماعة ، وقيل يرى تقلب بصرك في المصلين خلفك ؛ لأنه عليه السلام كان يراهم من وراء ظهره )[23] ، وقد نسبت الأقوال السابقة إلى بعض التابعين ، فالأول نسب لعكرمة، والثاني لعدد منهم منهم قتادة ، والحسن ، وعطاء ، والثالث منسوب لمجاهد .[24]
وقد ينسب المؤلف بعض الآراء أحياناً لأصحابها ؛ كما نسب تفسير آية (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيدكم ورماحكم)
( المائدة : 94 ) لمجاهد بأنه قال : ( الذي تناله الأيدي الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفرّ ، والذي تناله الرماح كبار الصيد ) [25] ، ويَنسب أيضاً لغير مجاهد ، كالحسن ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم .[26]
[1] التسهيل لعلوم التنزيل ( 1 / 15 ) .
[2] التسهيل لعلوم التنزيل ( 1 / 78 ) .
[3] التسهيل ( 2 / 174 ) .
[4] التسهيل ( 4 / 286 ) .
[5] التسهيل ( 1 / 12 ) .
[6] التسهيل ( 1 / 142 ) .
[7] التسهيل ( 1 / 229 ) .
[8] التسهيل ( 1 / 15 ) .
[9] التسهيل ( 1 / 4 ) .
[10] البخاري ، كتاب الديات باب إذا قتل بحجر أو بعصا (6878) (4/268) ، مسلم، باب ما يباح به دم المسلم (4351) (6/166) .
[11] التسهيل ( 2 / 47 ) .
[12] انطر : ابن جزيّ ومنهجه في التفسير ( 1/ 395 ) .
[13] التسهيل ( 4 / 231 ) .
[14] انظر : ابن جزيّ ومنهجه في التفسير ( 1 / 416 ) .
[15] التسهيل ( 1 / 15 ) .
[16] التسهيل ( 1 / 16 ) .
[17] التسهيل ( 2 / 118 ) .
[18] الطبري ( 30519 ) ( 12 / 139 ) .
[19] التسهيل ( 4 / 23 ) .
[20] انظر: ابن جزي ومنهجه في التفسير ( 1 / 433 ) .
[21] التسهيل ( 1 / 16 ) .
[22] انظر : التسهيل ( 1 / 5 ) .
[23] التسهيل ( 3 / 197 ) .
[24] انظر ابن جزي ومنهجه في التفسير ( 1 / 454 ) .
[25] انظر : التسهيل ، تفسير الآية .
[26] انظر : ابن جزيّ ومنهجه في التفسير ( 1 / 456 ) .
الباب الثالث : موقف ابن جزيّ من الإسرائليات ، ومنهجه في تفسير القصص القرآني:
لقد تسرب كثير من الإسرائيليات إلى كتب التفاسير ، وقد يرجع ذلك لأمور منها ، تساهل المفسرين في ذلك ، ومنها ذكرهم لها باعتبار أنّ القارئ لها يقرؤها على سبيل الاستئناس ؛ لأنه قادر على تميز الخبيث من الطيب ، ولم يكن في الحسبان وصولها إلى كل أحد كما هو الحال الآن ، وقبل ذلك كلّه تشوّف العرب قبل الإسلام وبعده إلى معرفة المجهول ، ومعرفة التفاصيل ، فكانوا يسألون أهلَ الكتاب ، وخاصّة من أسلم منهم ؛ كعبد الله بن سلام ، ووهب بن المنبه ، وكعب الأحبار ، وقد كان عندهم شيء من العلم ، ولكن لطول الأمد والعهد بينهم وبين أنبيائهم ، طال ذلك التحريف والتبديل ، فتغيّرت الوقائع ، فأصبحوا يجيبون عن أسئلتهم ، فيصيبون أحياناً ، ويخطئون أخرى ، وكلّ ذلك مما لا يتعلّق بالعقيدة، ولا الأحكام المحللة أو المحرمة .[1]
وإنّ من طبيعة النفس البشريّة النقص ، فقد كان لابن جزيّ
-عفا الله عنه- شيئاً من الهفوات في هذا الباب ، سواءً في الإسرائيليات ، أو في القصص القرآنية عامّة ، كما أن له وقفات تُحمد . وانتهج ابن جزيّ منهجاً في القصص ، وهو أن يذكر ما جاء به القرآن واضحاً بيناً ؛ كقصّة أهل الكهف ، وذي القرنين ، ويوسف عليه السلام ، وأما ما جاء القرآن فيه بالإجمال ، فإنّ ابن جزي قد حاد عن منهجه في بعضها ، ولم يطبق ما قاله في مقدمته عندما قسّم القصص إلى ضروري يحتاج إليه التفسير ، وغير ضروري مستغنىً عنه ، فقال : ( وأمّا القصص ، فهي من جملة العلوم التي تضمنها القرآن ، فلابد من تفسيره ، إلا أن الضروري منه ما يتوقف التفسير عليه ، وما سوى ذلك زائد مستغنىً عنه ، وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح ، حتى أنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصير بمنصب الأنبياء-عليهم السلام- ، أو حكاية ما يجب تنزيههم عنه )[2] . كما أنه انتقد منهج المفسرين في سرد الإسرائيليات التي لا تصح ، وخاصّة ما فيها انتقاص للأنبياء ، وألزم نفسه بخلاف ذلك ، حيث قال : ( وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص على ما يتوقف التفسير عليه ، وعلى ما ورد منه في الحديث الصحيح )[3] ، ولكن لم يلتزم –رحمه الله – بما قال التزاماً تاماً ؛ حيث نقل شيئاً مما لا يصح ، وما ليس فيه دليل ، والأدهى من ذلك أن في بعضها انتقاصاً للأنبياء ، كما سيأتي –بإذن الله في قصّة داودَ عليه السلام- ، فعفا الله عنه ، وجزاه بما خدم به كتاب الله مغفرةً عن كلّ خطأ .
وهنا سنذكر شيئاً من نماذج وقوف المؤلف –رحمه الله- عند القصص :
1. ذكر أقوال المفسرين في نوع الشجرة التي أكل منها آدم
–عليه السلام- ، فقال : ( (الشجرة) ، قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين ، وقيل الحنطة ، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح ، واللفظ مبهم )[4] ، فلم يجزم بشيء منها ؛ لعدم المرجح المعتبر .
2. عند ذكره لقصة الذبيح ، توقف لبيان المراد بالكبش ، فنقل ما قد قيل فيه ، فقال : ( وروي أنه من كباش الجنّة ، وقيل أنه الكبش الذي تقرّب به ولد آدم ، ووصفه عظيم لذلك ؛ أو لأنه من عند الله ؛ أو أنه متقبل ، وروي في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم : اشدد رباطي لئلا أضطرب ، واصرف بصرك عنّي لئلا ترحمني ، وأنه أَمَرّ الشفرة على حلقة ، فلم تقطع ، فحينئذ جاءه الكبش من عند الله . وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية ، وتركناه لعدم صحته )[5] .
3. وفي قصّة يوسف – عليه السلام - ، حيث يكثر فيها الإسرائيليات ، نجده يذكره شيئاً منها ، ثم يبين منهجه في الإسرائيليات كما سبق ، فقال عند قوله تعالى : (ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه ) (يوسف : 24) : ( أكثر الناس الكلام في هذه الآية ، حتى ألفوا فيها التآليف ، فمنهم مفرط ومفرّط ، وذلك أن منهم من جعل همّ المرأة وهمّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته ، وذكروا في ذلك روايات ، من جلوسه بين رجليها ، وحلّه التكة ، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يقال به ؛ لضعف نقله ؛ ولنزاهة الأنبياء عن مثله ) [6] . وذكر شيئاً من ذلك في بيان القميص الذي أرسله يوسف ، وغير ذلك من مواضع الإسرائيليات التي دفعها ابن جزيّ ، وتوقف عند طلب الدليل المرجح ، وكلّ ذلك يعدّ من مناقبه اللامعة التي امتاز بها عن كثير من المفسرين .
ولكن من طبع البشر الزلل ، فلا ندعي له العصمة ، فقد نقل روايات ليته لم يذكرها ، وليته اتبع منهجه الذي ذكره في مقدمته، وطبقه في مواضع كثيرة من تفسيره ، منها :
عند قصّة داود –عليه السلام- في سورة "ص" ، قال : ( ونحن نذكر من ذلك ما هو أشهر وأقرب إلى تنزيه داود –عليه السلام- : روي أن أهل زمان داود –عليه السلام- كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل عن امرأته ، فيتزوجها إذا أعجبته ... الخ )[7] ، والجدير بالذكر تعنيفه على من تكلّم في قصة داود بلا دليل ، فقال ( قال علي ابن أبي طالب : " من حدّث بما يقول هؤلاء القصاص في أمر داود ، جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله )[8] ، وما ذكره في قصة داود لا دليل عليه ، إضافة إلى ما في القصة من انتقاص لمقام داود –عليه السلام- . وقد ذكر الشيخ صفي الرحمن مباركفوري في تعليقه على هذه القصة كلاماً جيداً ، قال : ( هذه القصة تنافي شرف الأنبياء وفضلهم ، ونسبتها إلى داود فيه نظر ، والظاهر أنها من اختلاق اليهود الذين نسبوا إلى أنبيائهم السرقة والزنا ... وأن الذي قدمه الخصمان صورة حقيقية لخصومة بينهما وليس بفرض أو تمثيل ، وإنّ استغفار داود أو سجوده كان لتقصير حصل منه في أمر الرعيّة ، وهو اشتغاله في العبادة ، وتركه القيام بالحكم بين الناس ، والواجب على الوالي أن لا يشغله هذا عن ذاك ، ولا ذاك عن
هذا )[9] ا.هـ .
[1] انظر : ابن جزيّ ومنهجه في التفسير ( 1 / 476 ) .
[2] التسهيل ( 1 / 12 ) .
[3] التسهيل ( 1/ 13 ) .
[4] التسهيل ( 1 / 77 ) .
[5] التسهيل لعلوم التنزيل ( 3 / 380 ) .
[6] التسهيل ( 2 / 214 ) .
[7] انظر : التسهيل ( 3 / 397 ) .
[8] التسهيل ( 3 / 397 ) .
[9] تعليق الشيخ صفي على الجلالين ص 465 .
</B></I>
|