ص _146الحق أن وصف سورة براءة بأنها غيرت مجرى الحرب فى الإسلام جهل كبير. فقد كنا وما زلنا وسوف نبقى نسالم من سالمنا ونحارب من حاربنا، نعتمد فى دعوتنا على الشرح الوافى والبلاغ المبين، مع رفض للدنية وأنفة من الذل والهوان عوملت الوثنية العربية خلال ثنتين وعشرين سنة ـ قبل نزول براءة ـ بأحكم وأرحم ما يعامل به نظام خرافى يريد فرض سيطرته للأبد! فى مكة كان الإسلام دينا خارجا على القانون لا اعتراف به. وبعد الهجرة إلى المدينة خاض المسلمون مع أعدائهم نحو ثلاثين معركة وسرية. ترى كم بلغت خسائر الوثنية العربية فى هذه الحروب؟ لقد ذكرت فى بحث سابق أن قتلى الكفار حوالى مائتين فى هذه الوقعات كلها...!!! أى عشر معشار مذبحة "سان بارثلميو" فى باريس التى وقفت تقدم البروتستانت فى فرنسا الكاثوليكية!! كان المسلمون فى أثناء ثنتين وعشرين سنة يناشدون الكفار أن يعقلوا، أو أن يعدلوا إذا لم يعقلوا ! واستمع إلى نغمة الإخلاص والحب فى قوله تعالى "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير " . ولكن هذه المناشدات لم تجد فتيلا، وبدا أن مبدأ " لكم دينكم ولي دين ". مرفوض، وأننا نريد حياتهم ويريدون قتلنا!! وكان العلاج الإسلامى لهذا الموقف النابى ـ بعد أن استمكن المسلمون من السلطة ـ أن قالوا لأعدائهم: دعوا هذه الأرض لنا، وسيحوا فى أرض الله الواسعة!! إنكم تضيقون برؤية الإسلام فى بلد، وتكيدون لأهله ما استطعتم، وتتربصون به الدوائر، ولا ترضون أن تقبعوا بكفركم فى دوركم. إننا لن نقتلكم ولكننا نتحصن من فتنتكم فاذهبوا حيث شئتم ودعونا وشأننا! وانضم إلى هذه الأمر شئ آخر هو: لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان. وهو أمر مفهوم لقد حطمت جميع الأصنام التى كان يعبدها المشركون حول الكعبة ففيم الطواف إذن؟.ص _145
أما التعرى عند الطواف فمقبحة من المقابح لا يأذن بها دين محترم، وإنما تفهم مع اختلاط الوثنية بالبهيمية..!! ولذلك جاء فى السورة الكريمة " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله.. " . لقد كان رب العالمين يعلم أن أجل رسوله سوف ينتهى بعد عام وثلاثة أشهر من نزول سورة التوبة. وترك القافلة بعد وفاة قائدها تواجه هذه الفتن العمياء ليس من مصلحة الدعوة. لقد تبجح الشرك طويلا ولم يبق إلا الفراغ منه ليتوجه المسلمون إلى تأمين دعوتهم فى شمال الجزيرة بعد أن هددها الرومان! ومع أن "براءة " ألحقت بالوثنية ضربة خطيرة إلا أن الوثنيين اختفوا وفى طواياهم نية الغدر. وما كادوا يسمعون بموت محمد عليه الصلاة والسلام حتى انتقضت جموعهم وحسبوا أن الليل سوف يعود مرة أخرى فعالنوا بالردة. وتمردت جيوشهم فى ميادين شتى فتصدى لها الموحدون بقيادة أبى بكر وما زالوا يقاومونها حتى أخمدوا أنفاسها واستتب الأمر للإسلام. " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض... " . وتفرغ المسلمون لمقاومة الرومان الذين أوصدوا الأبواب أمام الدعوة الإسلامية شمالىّ الجزيرة. ولا بأس أن نشرح مرة أخرى التزامنا أمام دعوتنا. نحن لا نحارب معتدين ولا نكره أحدا على اعتناق دين! إننا نعرض الإسلام فقط على الآخرين "... فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا آثر أحد الكفر قلنا له: لا عليك، ولن يصيبك منا أذى! كل ما نطلبه منك أن تتركنا ندعو غيرك، وألا تتعرض لهذا الغير إذا استجاب لنا. إن الإسلام فى نظرنا هو العلاقة الفذة بين الله وعباده، وقد كلفنا الله بالبلاغ وإيقاد الضوء أمام من يجهل. فلا تعترض طريقنا ونحن نبلغ الناس.