ص _150إنكار التثليث ورفض ألوهية عيسى وجبريل، و اعتبارهما عبدين صالحين. وقد تتابع الوحى فى مكة والمدينة يؤكد هذه الحقيقة. ويطالب أتباع المسيح بتصحيح عقائدهم وإفراد الله بالوحدانية واستمداد أحكام الحل والحرمة منه سبحانه وتسوية البابوات والكرادلة بسائر الخلق.. وآخر ما نزل من ذلك فى سورة براءة، وتلى على الناس فى السنة التاسعة "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " . والقرآن الكريم يعتبر استفتاء رجال الدين فى الحلال والحرام وخروجهم على الجادة فى ذلك وإباحتهم الشذوذ وغيره كما وقع فى إنجلترا ضربا من الشرك. وعلى أية حال فالله فى الإسلام إله واحد لم يلد ولم يولد ولا كفء له وهو وحده الحاكم بين عباده... وقد أحكمت دولة الرومان إغلاق الأبواب أمام الإسلام، وقاتلت فى وقعات شتى لتبقى الإسلام داخل المصيدة فى وسط الجزيرة... فلم يبق بد من مقاتلتهم!! الإسلام يكون أمة دعوة، بالحسنى لا بالإكراه. يجب أن تبقى للحق وللخير أمة تمثله وتدفع عنه وتحسن عرضه وتستبقى شرائعه وشعائره حيه.. "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " . نعم من حقنا أن ندعو الآخرين، وليس من حقنا أن نكره واحدا منهم على ما نريد. إننا نريد حق الكلمة وحسب، والرومان يرفضون ذلك. وإلا فلماذا دفعوا جيوشهم إلى مقاتلة المسلمين فى مؤتة وتبوك وغيرها؟. بل سنكون أكثر تفصيلا وإيضاحا، لقد رفض الرومان كنيسة "أريوس " القائمة على أن عيسى مخلوق لا خالق. ورفضوا كنائس الشرق التى لها رأى يخالف الفكر الرومانى فى طبيعة المسيح، وحبسوا البطريك فى مصر وقتلوا أخاه.ص _149
فهل كان الرومان يقبلون الفكر الإسلامى فى العقيدة والشريعة، وقد صنعوا ما صنعوا فى إخوانهم؟. الحق أن الإسلام كان يقاتل من أجل حرية الإيمان، وقد دخل مصر والشام وأمن الناس على حريتهم الدينية، وأفرج عن السجناء. من أجل ذلك اهتم النبى عليه الصلاة والسلام بكسر القيود التى وضعها الرومان على الدعوة، وعبأ المسلمين كلهم تعبئة عامة لمواجهة الاستفزاز الرومانى عالما أن مستقبل الإسلام مرهون بالفوز فى هذا العراك المفروض.. وعندما نشبت الحرب مع الروم كانوا الدولة الأولى فى العالم لقد سحقوا الفرس وثأروا لأنفسهم واستأثروا بقمة السلطة.. ولم يكن مستغربا أن يهتز الضعفاء والمنافقون لفكرة القتال مع الرومان. ولولا أن محمدا يستند إلى الله فى جهاده المبرور ما أقدم على هذه المغامرة.. ولذلك جاءت بقية سورة براءة تفضح المنافقين والمترددين وتستجيش القوى المؤمنة كى تؤدى واجبها الصعب. وبدأ القسم الثانى من السورة بقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.. * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما و يستبدل قوما غيركم و لا تضروه شيئا .. " . ومضت السورة تطهر الأرض من المنافقين، بعد ما طهرت الأرض من الوثنية واليهودية الخائنة. وذلك حتى يأمن الإسلام على نفسه فى المجتمع الذى بناه بالعرق المتصبب. سورة براءة إعداد للأمة التى ستحمل الرسالة بعد وفاة قائدها، وإخلاء للأرض من الأعشاب السامة والعناصر السيئة. وكانت مقاتلة الرومان المحك الذى كشف معادن الرجال. وسنرى صورا كثيرة لأصحاب العلل الذين يتأخرون فى ميدان الواجب، ويخونون الإيمان وقت الشدة.