الموضوع: سورة الأنفال.
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 2013-12-28, 07:54 PM
الصورة الرمزية أبو عادل
أبو عادل أبو عادل غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل
افتراضي

وملك واحد يكفى لحصد المشركين، ولكن الله أراد طمأنة عباده بذكر العدد، " و ما جعله الله إلا بشرى و لتطمئن به قلوبكم و ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ". وقد اجتهد النبى عليه الصلاة والسلام فى الدعاء "اللهم نصرك الذى وعدتنى! اللهم إن تهلك هذه العصابة من المؤمنين فلن تعبد فى الأرض ". وكان يناشد الله بحرارة واستغراق رافعا ذراعيه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه وكان أبو بكر خلفه يقول: يا رسول الله بعض مناشدتك لربك، إن الله منجز ما وعدك.. ولم ينته الرسول من دعائه حتى أعلمه الله بمصارع القوم.. ويتساءل العلماء هنا عن قلق أبى بكر فى الغار - أثناء الهجرة - حتى كان الرسول هو الذى يثبته، وعن موقفه الواثق فى معركة بدر يطمئن الرسول ويهدئه؟؟ والجواب أن عبودية الرسول أوضح وأرسخ من عبودية الأمة كلها. كان فى الهجرة فارغ اليد من أسباب النصرة فاطمأن إلى أن الله معه يرعاه ويحفظه. أما فى بدر فمعه جيش، وإن كان ضعيفا فقد يعتمد عليه! فرأى النبى الكريم أن يبرأ من حوله وطوله، وأن يلجأ إلى الدعاء طالبا من الله النجدة، منتظرا منه وحده النصر.. وهنا تدخلت أسباب السماء، فنزل! مطر ثبت الرمال تحت أقدامهم، ونامت العيون القلقة، واختفت الوساوس. وربط الله على القلوب ودب الرعب فى نفوس الكثرة المشركة، فقاتلت أسوأ قتال. واختفت صفوفها تحت مطارق هزيمة لم تخطر ببال!! "ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله و من يشاقق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب " . لكن النصر الإلهى لا يستحقه من يفرط فى الأسباب المعتادة، وأول هذه الأسباب شجاعة تغرى بالإقدام ما تهاب الردى، وتؤثر ما عند الله فهى تركل الدنيا رغبة فى الآخرة. ونحن بلا ريب بشر تربطنا بالحياة أواصر متينة، ويعجبنى تصوير فرسان العرب لهذه المواقف وهم مقبلون على الموت!! يقول عمرو بن معدى كرب: ولقد أحملها كارهة حين للنفس من الموت هرير!! ويقول: فجاشت إلى النفس أول مرة فردت على مكروهها فاستقرت!!
ص _ ص 0
و يقول آخر: أقول لها إذا جشأت وجاشت! مكانك تحمدى أو تستريحى!! وذاك هو السر فى هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار" . قاوم حب العيش، واطلب الموت توهب لك الحياة! أو مت شهيدا كهذا الذى قيل فيه: تردى ثياب الموت حمرا فما أتى لها الليل إلا وهى من سندس خضر! إن القلة الشجاعة فى بدر كشفت أن الكثرة المشركة سراب، وبددت شملها فى الصحراء، فهى بين قتيل وأسير! كيف حدث هذا؟ يقول الله سبحانه مبينا صنيعه " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم". إن الخطة التى رسمها القدر استدرجت جبابرة مكة إلى مصارعهم، ما أغنى عنهم عدد ولا عدة، أما القلة التى استغاثت بالله واستنزلت نصره فقد فازت فوزا عظيما. فى سورة الأنفال ستة نداءات صارمة تحتاج إلى تأمل! إن الأسلوب لم يتجه إلى تهنئة المنتصرين بما أتيح لهم من نصر، بل اصطبغ بالشدة والتأديب وقمع الغرور! من هذه النداءات الستة نداءان بطلب الثبات ورفض الفرار وتوعد عليه بعظائم الأمور. والصحابة ما فر منهم أحد أو فكر فى فرار. ويبدو لى أن الطابع الشديد للوحى، فى أعقاب النصر الواقع، يرجع إلى إبراز دور القدر فيما ناله المسلمون من ظفر، وإلى استنكار التطلع إلى الغنائم والتنازع عليها، وإلى الاحتياط ألا يقع مثل ما وقع فى أحد بعد ذلك!! وقد وصف الله المشركين بما هم أهله، ومع كل وصف ورد نجد نصحا للمسلمين ألا يشبهوا القوم وأن يكون مستواهم أعلى! لقد وصف الله الكفار بأنهم دواب لا تعى ولا تعقل، وأنها تعيش فى نطاق غرائزها لا تعدوه. وأن الطمس الذى شملهم جعلهم لا يسمعون شيئا مما يقال لهم.
__________________








رد مع اقتباس