ويذهب الخلل بالنفس الوثنية بعيدا عندما تطلب من النبى أن يطرد من حوله الضعفاء الذين آمنوا به حتى يخلو المجلس لهم وحدهم!. ولكن الله يقول لنبيه: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. " بل يأمره أن يسوق البشرى إلى هؤلاء المؤمنين بأن الله معهم بمغفرته ورضاه. " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم " . ويمضى الرسول الكريم على خطه القويم يدعو إلى الله على بصيرة ويشرح المقررات العلمية التى أوحيت إليه. ويرد ـ بالإرشاد الإلهى ـ الشبهات التى قد تثار حوله، وإن المرء ليشعر بالرقة والأسى، لهذا النبى الصبور الجلد وهو يواجه المشركين المتعنتين بهذا الخطاب. "قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين * قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين..". تدبر هذه المناشدة الجليلة، إنه يريد من وضوح الإيمان فى نفسه أن يسكب فى قلوبهم إيمانا يهديهم إلى الصراط المستقيم بيد أن القوم يتعجلون العقاب. "قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين". وهكذا بالتلقين الهادى والتعليم المستمر يؤدى صاحب الرسالة رسالته! ****** بعد تلاوة متأنية لسورة الأنعام، ومتابعة آيات التقرير والتلقين وهى تعرض أمجاد الألوهية وتقمع الشبهات البشرية تساءلت: ماذا تفعل الخوارق فى الدلالة على الله أكثر من ذلك؟. بل قلت: إن الخوارق الواقعة والمقترحة لو وضعت فى كفة، ووضعت هذه السورة فى الكفة الأخرى، لكانت فى الدلالة على الله أرجح، وفى بيانها عن عظمة الله أفصح.
ص _098
واقرأ بتأمل هذه الآية " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " إن الغيوب بالنسبة إلينا عماء، وهى عند رب العالمين رؤية شهود. وأغلب الموجودات بالنسبة إلينا غيوب محجوبة! إنك قد ترى إنسانا وتحادثه، ماذا تعلم عنه؟ قد ترى وجهه وملابسه ولكنك لا ترى أفكاره وأحشاءه. أما رب العالمين فهو يراه ظاهرا وباطنا على سواء، وهو فى الوقت نفسه يرى خمسة مليارات من البشر معه رؤية شمول! بل إن هذه الرؤية الموقوتة!جزء ضئيل من رؤيته الإنسان فى أطوار حياته كلها بين المهد واللحد " إنه بكل شئ بصير". مفاتيح الغيوب كلها عنده، وكما يعلم البشر على هذا النحو المحيط يعلم ما فى البر والبحر! كنت أرمق التلفاز فى بيتي فرأيت منظرا فى أحد المحيطات، والموج ثائر يلعب بباخرة جبارة يكاد يوردها الأعماق. قلت: إن الله هنا وهناك يسمع ويرى! يسمع ويرى فقط؟ بل يصنع ويدبر ويحيى ويميت! كل ما فى البر والبحر طوع مشيئته. ومضيت مع الآية الوصافة لأمجاد الله! من مع الحبة فى ظلمة التراب يخلق منها الزروع والثمار، ويطعمنا الجنى الطيب؟. من مع كل شجرة نابتة فى أقطار الأرض يعلم عدد ما يسقط منها من ورق "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " إنه ليس علما نظريا فقط، إنه مسطور فى كتبه " وكل صغير وكبير مستطر" وبعد هذا الإحصاء الكشاف يجئ عرض للحياة الإنسانية على ظهر الأرض، وأعمال الناس كلهم بين شقئ وسعيد وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى.. " إننا نستغرق فى النوم بعد كدح النهار، وأرواحنا على الحالين بيده يأخذها ثم يردها حتى نستوفى الأجل المكتوب لنا فى هذه الدنيا.
ص _099
يتبع...