ويظهر أن بنى إسرائيل لم يفهموا أنهم شرفوا بالدعوة، بل ظنوا أن الدعوة شرفت بهم!! وحسبوا أنهم مقبولون عند الله، ولو لبسوا الدين على أجسام قذرة. وهيهات لقد محصهم القدر العادل فلما تبين جبنهم تقرر طردهم قال لهم موسى: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين" . فأبوا الانقياد لأمر الله، وبلغت بهم الوقاحة أن قالوا لموسى "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون" !! فجعل الله عليهم سيناء مصيدة يحتبسون داخلها، ويتيهون فيها لا يعرفون طريقا للخروج أربعين سنة حتى هلك أكثرهم!! وبقى من ترشحهم أخلاقهم لرضوان الله وحمل رسالاته.. هذه هى القصة الأولى فى بيان أن الدين رجولة وإقدام وصدق وإيمان. أما القصة الثانية فهى قصة ابنى آدم اللذين قتل أحدهما الآخر! كان أحدهما بليدا فاشلا فنقم على أخيه الأفضل منه. والتناقض فى حياة هذا الإنسان ظاهر. فهو قد فهم جيدا أن أخاه أفضل، وبعد أن تخلص منه لم يفهم كيف يدفنه بعد مماته!! كان غبيا هنا ذكيا هناك!! " فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين "!! . والفاشل يظن أنه إذا قتل الناجح يستفيد قوة جديدة. وهذا مستحيل، فإنك لن تبنى نفسك بهدم غيرك، ستظل كما أنت! إن الصلاح جهد إيجابى فى تقوية النفس وتزكيتها، وليس قدرة على العدوان! " إنما يتقبل الله من المتقين " وقد عد الله سبحانه هذه الجريمة ضد الإنسانية كلها وليست ضد فرد واحد " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " .
والقرآن الكريم يربى المسلمين على ضوء ما وقع فى العصور الخوالى، ويشرع لهم من الأحكام ما يجنبهم مزالق الأمم الأولى، ومن ثم فقد ذكر بعد هذه القصة حكم المفسدين فى الأرض المعتدين على الأنفس والأموال.
ص _078
فشرع عقوبة قطع الطريق، وعقوبة السرقة، وبين التشريعين نبه إلى ضرورة تقوى الله. ان ابن آدم الفاشل إنما ضاع لفراغ قلبه من التقوى، فعلى أهل الإيمان أن يتجنبوا ذلك المصير " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون" والوسيلة المطلوبة هى الأعمال الصالحة، والعمل الصالح يحتاج فى أدائه إلى عزيمة تقهر العقبات، وتسترخص النفس والنفيس، وهذا هو الجهاد المؤدى إلى الفلاح. * * * * والوحى الإلهى هو المصدر الفريد لشرائع العبادات، وشرائع المواريث، وشرائع الحدود والقصاص، ولا مكان هنالك لرأى أو قياس أو مصلحة. وأهل الأديان المتعاقبة يتوارثون هذه الحقيقة، ولكنهم يحيدون عنها أحيانا لغلبة الأهواء، وضعف مبدأ السمع والطاعة!! إن الجرائم التى تقع على الدماء، والأموال والأعراض خطيرة الآثار، ولذلك تولى الله سبحانه الحكم فيها، ولم يتركها لاجتهاد أحد، لأن الناس سوف يتساهلون فى التطبيق الواجب، ويحتالون باختلاق بدائل لا تسمن ولا تغنى من جوع... والبشر عندما يسنون قانونا يتصورون أنفسهم مكان الجانى فتخف حدتهم، وتذهب غيرتهم على الحق، فإن لم يضعوا أنفسهم مكان الجانى وضعوا أولادهم وأقاربهم، فكانوا أميل إلى تخفيف العقوبة والرحمة بالمجرمين! وربما كان للأوضاع الاجتماعية أثرها فى مؤاخذة الضعيف ومسامحة الشريف! وقد شاع ذلك فى أهل الكتاب الأولين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".. وقد تطورت الأمور بين أهل الكتاب فأهمل حكم القطع وتنوسى عمدا، وحلت مكانه عقوبات بالسجن مددا مختلفة مما جعل جرائم السرقة لا حصر لها. وعد ذلك عدالة أرقى من عدالة السماء. وكذلك وقع التغيير فى جرائم شتى وانتهى الأمر إلى إلغاء الحدود كلها..!!
ص _079
يتبع...