وقد تفرست فى أحوال المجتمعات، وعواقب هذا التفريط فوجدت الخسائر المادية والمعنوية كثيرة، اختل الأمن وضاعت أموال وأعراض، وحلت بالأمم كوارث شتى. ففهمت معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لحد يقام فى الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا ". وما روى عنه " أقيموا حدود الله فى القريب والبعيد، ولا تأخذكم فى الله لومة لائم "!! وكان المسلمون فى تاريخهم الطويل يقيمون الحدود ويصونون الدماء والأموال والأعراض. ولم يتركوا الأحكام السماوية إلا عندما أغار عليهم التتار. واستبدلوا بالأحكام السماوية تعاليم من وضع طواغيتهم فى كتاب اسمه " الباسق ".. وتكررت هذه المحنة عندما أغار الأوربيون على العالم الإسلامى، وأحلوا القوانين الوضعية محل الشرائع الدينية فشاع فى أرجاء الدنيا فساد عريض. والأوربيون فى قوانينهم أباحوا الزنا مادام بالتراضى الحر! وأباحت أرقى دولهم اللواط!! وأهالوا التراب على شرائع الحدود والقصاص فلا يتحدث عنها أحد إلا جريئا يتعرض للملام والمؤاخذة.. والأوربيون فى هذا المضمار يقلدون آباءهم الأولين، وإن كان فجورهم تجاوز الحدود، وقد حدث عندما هاجر الرسول إلى المدينة أن قدم إليه اليهود زانيين للنظر فى أمرهما. فسألهم الرسول عن الحكم فى كتابهم قالوا الجلد وتسويد الوجوه!! فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: بل الحكم عندكم الرجم حتى الموت!! فكابروا حتى جئ بالتوراة، واستخرج الحكم منها وهو الرجم الذى أرادوا إلغاءه، وقد نزل فى هذا قول الله تعالى: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا.. " . والتسوية بين المنافقين واليهود مقصودة فى الآية، فكلا الفريقين خرب القلب، وكلاهما حرب على شرائع السماء..!! وظاهر أن الرجم من الجزء الصحيح الباقى فى التوراة، وقد رأى اليهود تعطيله! فماذا عند القوم بعد ذلك إلا وصف الله وأنبيائه بما لا يليق؟.وقد أبى رسول الله أن يلين للقوم وإن كابروه طويلا "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم "
ص _080
والآية لا توهم الجبر فإن المراد منها أن من ركب قطار الشر انطلق به، ومن زرع الشوك فلا يجنى فاكهة! الآية هنا كقوله تعالى فى سورة مريم: " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ". والمفروض أن شرائع الدماء والأموال والأعراض تنفذ فى الدولة على كل من يستظل برايتها، وإن اختلفت الأديان.. والذى نراه أن اليهود كان لهم كيان مستقل، والمعاهدات التى عقدت معهم أول الهجرة لم تلغ هذا الاستقلال. ومن ثم لم يرغمهم الرسول على إقامة الحكم الذى أصدره، بل قيل له: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " . والمسلمون مكلفون بإقامة حكم الله داخل سلطانهم، ولا طاقة لهم على إقامته فى كل مكان، وأهل الأديان الأخرى تترك لهم شعائرهم وعقائدهم دون مساس بها. أما بقية الشرائع العامة فتتناول الجميع... وحكم الرجم فى سفر التثنية أن من تزوج عذراء، فوجدها ثيبا ترجم عند باب بيت أبيها، وإذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة ذات بعل يقتل الاثنان.. ويقول السفر المذكور: " إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها آخر فى المدينة فاضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا!! الفتاة من أجل أنها لم تصرخ، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، بذلك تنزع الشر من وسطك... " ثم ذكر القرآن الكريم تاريخا موجزا لموقف أهل الكتاب من شرائع الدماء والأعراض، فبين أنها نزلت فى التوراة ليلتزم بها اليهود. ثم تأكدت فى الإنجيل ليحكم بها النصارى. فمن تركها جحدا أو جور أو فسقا فهو داخل فى الكفر أو الظلم والفسوق.. وهذا التاريخ ذكر لواقع مضى، فالتوراة تحكم أتباعها مادامت التوراة باقية. فإذا جاء بعدها الإنجيل انتقل الحكم إليه وعلى أتباعه تنفيذ ما جاء به. فإذا جاء القرآن فإن على الفريقين الالتفات إلى الوحى الجديد والأخذ عنه، لاسيما وهو
ص _081
يتبع...