إن دولة الإسلام الأولى كان فيها رعايا من أهل الذمة وعندما اشتبكت فى حرب مع الاستعمار الرومانى لم تفكر فى تجنيدهم حتى لا تحرج ضمائرهم!! فقد يؤذيهم أن يخاصموا إخوانهم فى العقيدة فيقتلون ويقتلون.. واكتفى الإسلام بإسهامهم المالى فى نفقات الدولة.. وأقل ما ينتظره الإسلام وهو يحارب هذا الاستعمار الهاجم من الشمال ألا تكون هناك قلوب تتعاطف معه، وتؤمل فى هزيمة المسلمين.. الفئة الثالثة ممن نهينا عن موالاتهم هم الساخرون من شعائر الإسلام المستهزئون بالصلاة والأذان. وقد وصفت الآية أحوالهم "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون". والواقع أنه من السفه السخرية من العبادات المقررة واتخاذ الأذان مادة للضحك! أى صداقة ينتظرها من يفعل ذلك؟ إلا صداقة خليع لا يعرف ربه، ولا يرقب ما عنده. وهناك من يغضبون أشد غضب عند ما يسمعون كلمات الأذان، ويتمنون لو سكت قائلها.. إن الإسلام أبعد دين عن الإكراه، وأتباعه أبعد الناس عن كراهية الآخرين إذا كانت نفوسهم سهلة وسرائرهم نقية "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" . ويمكن أن تقوم شركة تجارية بين مسلم وغير مسلم أساسها الأمانة والصدق. ويمكن أن تتكون أسرة من مسلم وأخرى غير مسلمة على قاعدة من الود المتبادل والرحمة! ويمكن أن تنشأ علاقات إنسانية حميمة بين أتباع أديان مختلفة بعيدا عن التظالم والغش والبغضاء. لقد حدد الإسلام المواضع التى أذن فيها للمؤمنين أن يغضبوا ويقاطعوا، فلتختلف الأديان فتلك مشيئة الله "ولذلك خلقهم " . ولكننا أمة تحترم نفسها، ومن حقها أن يحترمها الآخرون، وأن يقيموا علائقهم معها على العدل والأدب! فهل ذلك صعب؟.
ص _084
إنه صعب على يهودى يظن البشر دونه بأصل الخلقة! صعب على متعصب يعتنق الأخطاء فى حرية، ويضن على الآخرين أن يعتنقوا الصواب ويمروا بسلام!! وذاك ما عنته الآية الشريفة " قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون " . والواقع أن مبدأ " الولاء والبراء " قائم على هذه الحقيقة، ولا أثارة فيه لقطيعة ظالمة أو تعصب ذميم! من حق أصحاب الإيمان ألا يستوحشوا به فى الدنيا، بل ينبغى أن يألفهم، ويلتف بهم أمثالهم فى الاعتقاد " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " . ومن شعائر الإسلام الحب فى الله والبغض فى الله ولكنه حب لا أثرة فيه وبغض لا ظلم معه. ومن خصائص الدين الحق أنه يتجاوز عن الخطأ العابر ويتشدد مع الشذوذ الفاجر. وقد تدبرت موقف نبينا صلى الله عليه وسلم مع " ماعز " فوجدته يحاول رده عن إقراره، ومسامحته فى ظلمه لنفسه مادام قد تاب. غير أن ماعزا أبى إلا تطهير نفسه بالموت فكان له ما أراد. وكان عيسى عليه السلام يحاول مثل ذلك مع المرأة التى أتى بها اليهود لرجمها! فالقدر ليس بالمرصاد لكل عاثر يريد الإجهاز عليه، والأنبياء مصلحون لا جلادون. غير أن الفرق واسع بين الخطأ العابر والخطيئة الفاجرة، والفرق واسع بين زلة قدم وتقليد يتبع. وهو أوسع بين هفوة فرد وتشريع قائم. إن الأنبياء جميعا ضد الجريمة إذا تحولت إلى عرف عام ونظام سائد. والغريب أن أهل الكتاب قديما وحديثا تميزوا ببرود غريب أمام المعاصى... حتى أمست الحضارة الغربية مشحونة بصنوف الدنس مع صمت مطبق من الكهنة المشاهدين! ثم ألا يستحق التأمل الطويل أن ترى من هؤلاء من يكره الإسلام ويهادن الإلحاد؟ ومن يعلن الصلاة من أجل مرضى الإيدز! ولا يكترث أقل اكتراث لضحايا الصهيونية والاستعمار.
ص _085
يتبع...