الخطبة : التعامل مع المكدرات. الشيخ / خالد بن عبدالله المصلح
الخطبة : التعامل مع المكدرات الشيخ / خالد المصلح
اسم الخطيب الشيخ / خالد بن عبد الله المصلح
اسم المدينة القصيم - عنيزة, المملكة العربية السعوديه
اسم الجامع. جامع النزهة
عنوان الخطبة التعامل مع المكدرات
عناصر الخطبة 1/ الدنيا دار ابتلاء وامتحان 2/ الإنسان يتقلب في الدنيا من معاناة إلى معاناة 3/ لا سعادة إلا بطاعة الله تعالى 4/ كيف نواجه أسباب القلق والهم والكدر
رغم ما نعيشه في هذا العصر من ألوان الانفتاح وأسباب الراحة، وأسباب الرغد في العيش وهنائه؛ إلا أن معدل الضجر والقلق وسائر ألوان النكد في ازدياد مطَّرد، وفي علو متتابع، وهذا يوجب على كل من رغب في الطمأنينة والسعادة أن يبحث عن أسبابها، وأن يطلب مواطنها الحقيقية، وأن لا يقف عند الصور والمناظر، بل يتعدى ذلك إلى الحقائق والجواهر، فرُبَّ إنسان تراه سعيداً يأتي وراء منظره البهي ألوان من الكدر والضيق.
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله ربُّ العالمين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله -أيها المؤمنون-، فإن تقوى الله تعالى أعظم أسباب السعادة والفلاح والانشراح، فلا سبيل إلى تحصيل لذة الدنيا ونعيم الآخرة، إلا بسلوك سبيل المتقين الذين قال عنهم رب العالمين: (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس:62]، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، ومن حزبك المفلحين، ومن أوليائك الصالحين، يا ربَّ العالمين.
أيها الناس: إنَّ الله تعالى خلق هذه الدنيا وجعلها دار ابتلاء وامتحان، يبتلي الله تعالى فيها الخلق بألوان من البلاء، وأنواع من الاختبارات في السراء والضراء، في المنشط والمكره، في كلِّ ما يصيبهم وينزل بهم إنما هم في بلاء: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد:4].
إن الله -جل وعلا- جعل هذه الدنيا على هذا النحو؛ ليذكر الإنسان أنه ليس في دار مقام، ولا في دار نزول لا ارتحال بعده، إنما هي دار زائلة، سريعة الارتحال والانتقال، دار كثيرة آلامُها، عديدة همومها وغمومها، أسباب القلق والضجر فيها أكثر من أسباب الانشراح والسعادة والقرار.
إنَّ الإنسان في هذه الدنيا -مسلماً كان أم كافراً- في معاناة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد:4]، وهذا وصف لكل إنسان يعيش في هذه الدنيا.
جُبلت على كدر وأنت تريدها *** صفواً من الأقذار والأكدار
ومكلـف الأيام ضـد طباعها ***متطـلب في الماء جذوة نار
وإنما يتمايز الناس ويختلفون في تعاملهم مع هذه الحقيقة، في مقابلتهم لأسباب الضيق والقلق والكدر التي تحيط بهم من كل جانب، فمن الناس من يستسلم لهذه الأنكاد، وتلك الأكدار وتلك الغصص، فيكون ضحية لها تتحكم فيه وتتصرف، ومنهم من يحسن التعاطي معها بتخفيف آثارها وتجاوز آثامها وتخطي عقباتها؛ ليصل إلى حياة توصله إلى نوع من السعادة والطمأنينة.
رغم ما نعيشه في هذا العصر من ألوان الانفتاح وأسباب الراحة، وأسباب الرغد في العيش وهنائه؛ إلا أن معدل الضجر والقلق وسائر ألوان النكد في ازدياد مطَّرد، وفي علو متتابع، وهذا يوجب على كل من رغب في الطمأنينة والسعادة أن يبحث عن أسبابها، وأن يطلب مواطنها الحقيقية، وأن لا يقف عند الصور والمناظر، بل يتعدى ذلك إلى الحقائق والجواهر، فرُبَّ إنسان تراه سعيداً يأتي وراء منظره البهي ألوان من الكدر والضيق.
إنه لا سعادة إلا بطاعة الله تعالى، فأعظم أسباب السعادة هو الإقبال على الله -جل وعلا-، قال ربنا -سبحانه وبحمده-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]، فبالإيمان الراسخ الذي يتبعه العملُ الصالح، يهون على العبد ما يلقاه من الغُصَص والأكدار والأقدار المؤلمة: "إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"، فالمؤمن الصابر على الضراء، الشاكر في السراء هو في خيرٍ، في كل ما يطرقه من المسرات، وفي كل ما ينزل به من المكروهات، فكلُّ شيء بقضاء وقدر، قال ربكم -جل وعلا-: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر:49]، فعلام الضجر، وعلام القلق؟! (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21].
فالمؤمن الذي يبصر قضاء الله تعالى وقدره، ويرى صنيع ربه، وأنه لا يقدم له إلا الخير، وأن ألواناً من الضيق تثمر خيراً عظيماً، ولو لم يكن فيها إلا حطُّ السيئات ووضع الخطايا والأوزار، وما أثقل الكاهل من الذنوب والخطيئات؛ لكان ذلك كافياً في أن يلتمس الإنسان مسرّة في مضرّة، وأن يلمح رحمة في نقمة، وأن يرى منّة في نازلة ومصيبة.
أيها المؤمنون: إنَّ من أعظم ما يعين الإنسان على مواجهة أسباب القلق والهم والكدر في هذه الدنيا: أن يعلم أنه لابد له من مقابلة ما يكره، فمن وطن نفسه على مقابلة ما يكره في هذه الدنيا، وأنها لا تكون على ما يحب في كل حال ومقام، بل لابد من كدر، ولابد من ضيق، ولابد من مخالفة ما يشتهيه الإنسان ويحبه؛ كان ذلك من أعون ما يهيئ نفسه على مقابلة ما يكره في نفسه، في ماله، في ولده، في وظيفته، في دنياه كلها، يأمل خيراً ويرقب ما يكره فيكون مستعداً لما ينزل به من الأزمات والضوائق، فما منَّا إلا وله من الكدر ما ينغص حياته.
إذا أنت لم تشرب مِراراً على القذى *** ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فما منَّا إلا ويشكو هماً، وما منَّا إلا وعنده من الضائقة ما يكدر خاطره، ما يحتاج به إلى استعانة بالله تعالى، ومقابلة لهذا الضيق بما يزيحه ويهونه.
كل من لاقيت يشكو دهره *** ليت شعري هذه الدنيا لمن
أيها المؤمنون:
إنَّ مما يزيل القلق والضجر: أن يتخلى الإنسان عن الأوهام والخيالات، فربع ما يجري بل كثير مما يجري في حياة الناس من الأكدار والقلق سببه أوهام وخيالات لا حقيقة لها، بل يعيش في أنواع من الخيالات والأوهام ويعاني منها كثيراً، ولا سيما فيما يتعلق بما يستقبل، فإن كثيراً من الناس يدهمهم خوف المستقبل وما يكون في مجهول القادم، ما يجعله معاقاً عن أي إصلاح في واقعه، وعن أي تخطيط لمستقبله، فهو كالخائف الذي لا يمكن أن يسير خطوة إلى الأمام، بل هو في مكانه هلِع يترقب الشر من كل مكان، ومن كل حدب وصوب، أضاع حاضره وخيب مستقبله ولم يأمل خيراً، وقد قال لنا الله -جل وعلا-: (فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) [محمد:20-21]، أي: في الزمن الحاضر أولى لنا أن نشتغل بما فيه صالح قلوبنا وصالح دنيانا: (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) [محمد:21].
فإياكم -أيها الإخوة-، إياكم -أيها المؤمنون- والاستسلام للأوهام والخيالات، بل ثقوا بالله تعالى واركنوا إليه -جل وعلا-، فأعظم أسباب نيل المطالب والسلامة من المخاوف والمراهب: أن يكون الإنسان عظيم الثقة بالله -جل وعلا-: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة:23].
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، أعنا على طاعتك، اشرح صدورنا بالقرب منك، واملأها بمحبتك وتعظيمك، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
|