الخطبة الثانية:
الحمد لله حمد الشاكرين، أحمده في السراء والضراء، لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله -أيها المؤمنون-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
عباد الله: إنَّ خير ما يُعطاه الإنسان لمواجهة ما ينزل به من ألوان ما يكره في هذه الدنيا: الصبر، ذاك الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في الصحيح من حديث أبي سعيد: "وما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر"، خير ما تُعطاه أن تُعطى نفساً صبورة، تصبر على المكارة فتقابلها بلون من الثبات والثقة في أن الشدة لا تدوم، وأنه من المحال بقاء الشقاء، وقد قال العوام: لا بقاء لشقاء، وهكذا ينبغي أن يقابل الإنسان كل ما يكره.
فالشدة مهما طالت، والضيق مهما امتد زمانه فلابد لهما من زوال، فدوام الحال من المحال، وهذا الشعور يفتح أبواب الأمل، ويعين الإنسان على الصبر، والصبر به يتخطى المرء الأهوال والصعاب.
ومما يعين على حصول السعادة: أن يكون الإنسان على نفس صبورة، ومن يتصبر يصبره الله، فالصبر منه ما هو خُلُق جَبَل الله تعالى الإنسان عليه، ومنه ما هو كسب يعانيه الإنسان ليبلغ به منزلة الصابرين: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر:10].
اللهم اجعلنا من عبادك الصابرين يا رب العالمين.
إن مما يعين على مواجهة المصاعب والنوازل التي تنزل بالإنسان: أن يعطي كل مشكلة حجمها، فكثير من الناس تنزل به الصغيرة فيجعلها من أكبر الكبائر التي تمنعه من المضي في حياته والعيش في حياة مستقرة هانئة.
إن الإنسان إذا أعطى المشكلة حجمها فلم يبالغ فيها، ولم يهونها، بل أعطاها ما تستحق من العناية والاهتمام والتفكير؛ كان ذلك من أسباب سعادته وانشراحه، فمن الناس من يُهوِّن الصغير فيعمى، ومنهم من يهون العظيم فيسلى.
وتعظم في عين الصغير صغارها ***وتصغر في عين العظيم العظائم
ولا شك أن تسلية المصاب بتهوين المصاب من أعظم أسباب تجاوز المشاكل واجتيازها.
أيها المؤمنون: إن الله أمرنا بذكره، وجعل ذِكْره من أعظم أسباب شرح الصدر ونيل المطلوب من الثبات على الخير والبر، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) [الأنفال:45]، ثم ذكر لنا سبباً من أسباب الثبات فقال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال:45].
إن أعظم ما يعين القلب على الثبات، ويقشع عنه ألوان الهموم والأكدار: أن يكون ملتذاً بذكر الله العزيز الغفار، ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، قال ربكم -جل وعلا-: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].
إن القلب يحتاج إلى سكون وإلى غذاء، إن غذاءه بذكر الله -جل وعلا-، وقد فرّطنا في ذكر الله، فمن منا يشكر الله كثيراً؟! إن أكثر الناس في ذكر قليل لربهم -جل وعلا-، في صلواتهم وعباداتهم، فكيف بأولئك الذين فرطوا في الصلوات ولم يقيموا حدود الله تعالى، إنهم حرموا أنفسهم نصيباً عظيماً من ذكر الله الذي تقوى به القلوب، وتحيا به الأبدان، وتسلم به النفوس من آفات تسلُّط الشياطين.
أيها المؤمنون: إن ذِكْر الله مفتاح عظيم أوصيكم به فلا تبخسوا أنفسكم منه، أكثروا من ذكر الله تعالى كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:42]، هكذا يكون المؤمن ذاكراً لله تعالى في الغدوِّ والعشي، في الآصال وفي البكور، في كل أوقاته وجميع أحواله، تسعد نفسه، ويطمئن قلبه، وينشرح فؤاده: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].
وأقل ذلك أن يحافظ الإنسان على الأذكار المشروعة في الصلوات وفي أدبارها، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ منه، إن الإنسان إذا نام عقد الشيطانُ على قافيته ثلاث عقد، فإذا استيقظ -وانظر إلى أثر الذكر- فذكر الله وتوضأ وصلى انحلت عنه تلك العقد، وأصبح طيب النفس نشيطاً، وإذا كان على غير ذلك من الغفلة عن الله تعالى أصبح خبيث النفس كسلان.
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، أعذنا من وساوس الشياطين يا رب العالمين، اللهم اشرح صدورنا وأعنّا على ذكرك وشكرك والقيام بحقك، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
|