وبدأ ذلك من قوله تعالى : " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به .." وتصديق القرآن لما مع اليهود إنما هو تصديق على الإجمال، فأهل الكتاب ليسوا كعبدة الأوثان فى الكفر بالله وإنكار الوحى الذى أنزل على المرسلين! إن القرآن يصدقهم فيما يذكرون من إيمان بالله، وإثبات للوحى، وتكليف للناس، وحساب على الأعمال! لكنه لا يصدقهم حين يذكرون أن الله مثلا ندم على إغراق الأرض بالطوفان، ثم ندم على ما صنع واحتاج إلى من يذكره حتى لا يفعلها مرة أخرى! إنه لا يصدق العهد القديم حين يذكر أن الله نزل يتمشى على الأرض ثم مال إلى نبيه إبراهيم حيث تناول معه الغداء..!! ولا يصدقه حين يذكر أن الله صارع يعقوب ليلا طويلا، ثم لم يفلته حتى منحه لقب إسرائيل! إن تصديقه لما مع بنى إسرائيل هو - على الإجمال لا على التفصيل - والمجمل الذى سلمه لهم، أو وافقهم عليه إنما ذكره ليحاسبهم على ضوئه حسابا عادلا. وقد أحصت سورة البقرة أكثر من ست عشرة مرة شئونا وقضايا عرضت للقوم فى تاريخهم الطويل، وذكرت لديهم فى التوراة، ومع ذلك لم يكونوا عند حسن الظن فى الاعتبار بها وشكر الله عليها. ويبدأ هذا الإحصاء من قوله تعالى: "وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب" هل قدروا نعمة هذه النجاة؟ ثم عاقب الله عدوهم فأغرقهم أمام عيونهم، فهل شعروا بعدالة هذا القصاص، وحمدوا ربهم على هلاك الظلمة؟ واتصل السرد القرآنى فى صفحات طوال يذكر ويتساءل! فهل استيقظ الضمير اليهودى بعد هذه القائمة من الحساب الطويل أم بقى أكفر من عبدة الأوثان بنبى القرآن؟ هذا ما سجلته سورة البقرة من تاريخ القوم لتخلص منه إلى شأن أهم هو ما نسميه بالوحدة الدينية كما صورها القرآن الكريم فى هذه السورة.
ص _014
فى وجه تعصب دينى ضيق ينشد الإسلام للناس كافة وحدة دينية سمحة، تقوم على الفطرة السليمة والمنطق الواعى! إن اليهود والنصارى يرون الحق حكرا عليهم وحدهم، وأن النجاة لن تكون إلا لهم!. لماذا يرسل هذا الحكم المتحيز؟ " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" . هناك ناس آخرون حسنت معرفتهم لله، وأسلموا له وجوههم، وأخلصوا نياتهم، وأصلحوا أعمالهم، لماذا يهدر جهدهم؟ " بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " . على هذا الأساس طلب القرآن من أهل الكتاب أن يؤمنوا بالله ورسله جميعا، وأن ينخلعوا من أنانيتهم التى تزين لكل طائفة أن الحق لديها وحدها " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " . ثم طلب منهم توسيع دائرة الإيمان حتى تشمل كل نبى أرسله الله لهداية الناس، فلا مساغ لاستثناء أحد " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" . هذه أصول الوحدة الدينية التى شرحتها سورة البقرة، وعرضتها على اليهود والنصارى، كى يدخلوا فيها، ويتآخوا مع المسلمين فى ظلالها، وقبيل هذا التفصيل بين القرآن الكريم أن الإسلام المعروض ليس شيئا جديدا، إنه دين المرسلين الأوائل.. يفخر اليهود بأنهم أبناء يعقوب الذى لقب بعد بإسرائيل، والذى أقيمت دولة فى هذا العصر باسمه! ماذا كان يعقوب؟ كان رجلا حسن الصلة بالله، يعرفه معرفة وثيقة، ويستسلم لقضائه وقدره، ويدعو أولاده للإيمان به، ويستوثق قبل مماته من أنهم لن يفرطوا فى هذا الإيمان مثقال ذرة.. " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون" .
إن هذا الإسلام هو العلاقة العقلية الوحيدة بين الكائنات وربها، بين الناس وخالقهم! أليس من حق الموجد الأعلى أن ترنو إليه الموجودات عابدة خاشعة؟ إذا لم يكن الإسلام لله دينا فهل التمرد عليه هو الدين؟ هل تجاوز حقه هو الدين؟ هل الحكم بغير ما أمر هو الدين؟
ص _015
يتبع...