الموضوع: سورة البقرة.
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 2014-02-05, 05:23 PM
الصورة الرمزية أبو عادل
أبو عادل أبو عادل غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل
افتراضي

إن محمدا رد الأشياء إلى أصولها، ومهد لله سبيلا لا سبيل غيرها، ولذلك جاء فى هذه السورة " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " ونلحظ فى هذه الآية أدبين كريمين : الأول أنه طلب الإيمان بمثل إيماننا، ولم يقل بإيماننا نفسه تلطفا معهم وتقديرا لأشخاصهم، كأنه يمنحهم حرية التصرف، وإلا فالإيمان واحد! أما الأدب الثانى فإن تكذيبهم لم يجعل سببا للهجوم عليهم، بل تركوا وشأنهم! فإذا جاش الشر بأنفسهم وبدأوا العدوان فإن الله سيحمينا وهو حسبنا.. تلك معالم الوحدة الجامعة كما رسمتها هذه السورة، وبقى أن نزيل لبسا قد يخالط بعض الأفهام: ما معنى أن الرسل جميعا مسلمون، والمعروف أن الإسلام هو الدين الذى طلع به محمد على الناس؟. الحقيقة المؤكدة أن الدين منذ الأزل واحد، إيمان بالله، وإصلاح للعمل، وهما معنى الإسلام! المعرفة النظرية لا تكفى، فلابد مع المعرفة أن نقول لربنا : " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ". ومعرفة إبليس أن الله واحد خلق الكل، لا تغنيه شيئا، لابد أن يضم إلى هذه المعرفة استسلام لأمر الله، وسعى إلى استرضائه، ومادام قد أبى ذلك فقد طرد من رحمة الله. وقد جاء المرسلون قاطبة يعلنون معرفتهم بالله على الوجه الصحيح، كما يعلنون طاعتهم لله فى كل ما كلف العباد به!! هكذا فعل نوح وإبراهيم، وهكذا فعل موسى وعيسى ومحمد، ولا نسرد هنا الآيات التى أعلنوا فيها إسلامهم، فالأمر يطول .. الجميع كانوا دعاة إلى الإسلام، وإن تفاوتت التشريعات الفرعية على اختلاف العصور. إن الإنسان فى صغره قد يسمى فلانا، فإذا كبرت سنه لم يتغير اسمه، وإن اتسعت الدائرة التى تتم فيها تصرفاته، وليس من العقل أن نتصور دائرة التدين فى هذا العصر تنطبق على دائرة التدين فى عصر نوح، إن مركز الدائرة واحد هنا وهناك، ولكن محيطها قد يتسع باتساع العمران، والشبكة الكهربائية قد تكون ميلا فى بعض القرى، ولكنها تكون أميالا طويلة فى بعض العواصم، والتيار واحد..
ص _016
وقد ظهر محمد بعد تجارب هائلة خاضها موسى وعيسى مع الناس، فهل يستكثر على الدين الخاتم أن يصحح أخطاء جدت، وأن يقيم طرقا اعوجت، وأن يمحو بدعا حدثت، وأن يسرد فى كتاب جاد مفصل الحقائق التى ذهل عنها هؤلاء وأولئك..؟ كانت بعثة محمد ضرورة ماسة لتصويب خطى الإنسانية التى شردت، وكانت لفتا لأنظار أهل الكتاب خاصة إلى المآسى التى ألحقوها بالناس.. بالنسبة إلى النصارى كان لابد من توكيد وحدانية الله، وإظهار عيسى عبدا كسائر المخلوقات، مع الإشارة إلى أنه وحوارييه دعاة إلى الإسلام الحق. وبالنسبة إلى اليهود كان لابد من توبيخهم على كبرهم، واستخلاص الوحى السليم من براثنهم، وإظهار أن الله ليست له بجنس ما صلة خاصة. إن الصالحين الأوائل من أتباع موسى وعيسى ينضمون إلى أتباع محمد أو ينضم إليهم أتباع محمد فى هذا الحكم الجامع " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" . أما بقايا أهل الكتاب التى تعيش الآن لا تدرى ما الكتاب ولا الإيمان، وتهرع وراء شهوات الدنيا مسابقة عبدة الأوثان فلن يقبل لهم زعم.. فكيف إذا انضم إلى عوجهم البادى حقد رهيب على الموحدين وإصرار على هدم مساجدهم، وفض مجامعهم " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ". إن السورة التى نزلت بعد الهجرة مباشرة، والتى عاصرت بناء الجماعة الإسلامية على دعائمها العتيدة، أرست الأصول التى تقوم عليها العلاقات بين أتباع الأديان المختلفة، فى الوقت الذى تنادى فيه بوحدة الدين عودة إلى تعاليم جميع المرسلين. ******
ص _017
استقبل اليهود الإسلام أول ما ظهر بإنكار ومقت، فقد كانوا يحسبون أن الدين حكر عليهم، وأنه لن يتجاوزهم إلى جنس آخر، فلما تمت الهجرة، واقترب الإسلام من مستوطناتهم، قرروا الاحتيال فى حربه والمكر بأتباعه. وعرض عليهم النبى صلى الله عليه وسلم صحيفة تنظم العلاقات بين المسلمين وغيرهم، على أسس من المهادنة والتناصر، فقبلوا الصحيفة على مضض، ومضوا فى طريقهم يسخرون من الدين الجديد، ويؤلبون عليه، ويطعنون فيه... وتنزل الوحى فى صفحات متصلة يوبخ اليهود على مواقفهم ويقرعهم على ما بدر منهم فى ماضيهم الطويل، ولم يجد ذلك فتيلا فى كسر غرورهم، وإلانة قلوبهم!! فرأيهم فى أنفسهم أنهم وحدهم أهل الوحى، وأنه لا يجوز لله أن يختار نبيا بعيدا عنهم. وقد شكك القرآن الكريم فى دعاواهم كلها، إذا كنتم مؤمنين بما لديكم فلم تنكرون ما يصدقه؟ " وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين" ؟ ومضى القرآن يثبت عليهم أنهم كاذبون فى دعوى الإيمان، وإلا ما قتلوا الأنبياء، ونقضوا المواثيق، واقترفوا المعاصى، أهذا إيمان؟ " بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين" . وأحصت عليهم سورة البقرة بضعة عشر تذكيرا بما كان منهم لعلهم يرعوون! وهيهات. لكن هذا التذكير إذا لم يثن اليهود عن عوجهم، فهو تعليم للأمة الإسلامية أن تستقيم وتستفيد، وأن تتجنب مسالك المغضوب عليهم، لقد قال لليهود من قبل: " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم.. " وهاهو ذا يقول للمسلمين: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون * يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة.. " . وإذا كان اليهود قد حرصوا على الدين شكلا لا موضوعا، وتشبثوا بالقشور، ونسوا اللباب، فاستمسكوا أنتم أيها المسلمون بالحق الأصيل وأركانه المنشودة " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر.. " إلى آخر الأركان الستة التى تشرح حقيقة البر، وترسى دعائم التقوى...
ص _018
يتبع...
__________________








رد مع اقتباس