عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2014-02-07, 08:06 PM
الصورة الرمزية أبو عادل
أبو عادل أبو عادل غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل
مهم الفصل الأول مجتمع ما بعد الموحدين.






{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
[البقرة: 2/ 134، 141}

ــــــــــــــــــــــــــ

الظَّاهِرَةُ الدَّوْرِيَّةُ
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}
[آل عمران: 3/ 140]
ــــــــــــــــــــــــــ
لدراسة التاريخ جوانب متعددة، فإذا ما تناولناه بالقياس إلى الفرد كان دراسة نفسية، إذ يكون دراسة للإنسان بوصفه عاملاً نفسياً زمنياً في بناء حضارة، ولكن هذه الحضارة تعد مظهراً من مظاهر الحياة والفكر الجماعي، ومن هذا الجانب يعد التاريخ دراسة اجتماعية، إذ يكون دراسة لشرائط نمو مجتمع معين لا يقوم نموه على حقائق الجنس أو عوامل السياسة، بقدر ما يخضع لخصائصه الأخلاقية والجمالية والصناعية المتوافرة في رقعة تلك الحضارة.
على أن هذا المجتمع ليس معزولاً، بل إن تطوره مشروط ببعض الصلات الضرورية مع بقية المجموعة الإنسانية، ومن هذا الجانب يصبح التاريخ ضرباً من الميتافيزيقا، إذ أن مجاله يمتد إلى ما وراء السببية التاريخية، لكي يلم بالظواهر في غايتها. هذا الجانب الميتافيزيقي يضم الأسباب التي لا تدخل ضمن ما أطلق عليه توينبي (مجال الدراسة) لحضارة ما.
فالمؤرخون حين يدرسون مثلاً انهيار الامبراطورية الرومانية، يقصرون الأسباب التي حتمت ذلك الانهيار على نطاق معين ينطبق على رقعة تلك الإمبراطورية من ناحية، وعلى السهول الشمالية التي تدفقت منها القبائل الجرمانية من ناحية أخرى، خلال القرنين الرابع والخامس، فهذا بالتحديد هو المجال الذي يرى فيه المؤرخون تأثير الأسباب التاريخية التي حللت إمبراطورية روما. وهناك تكونت الموجة الجرمانية التي أطلق عليها المؤرخون الألمان
Volkerwanderung أي (هجرة الشعوب)، والتي تحطمت مرات على الحدود، إلى أن استطاعت أن تحطم كل شيء في طريقها.
إن من الممكن أن نقف عند هذا الجانب، أما إذا أردنا دراسة أسباب مد تلك الشعوب، فسنجد أنفسنا أمام عملية متسلسلة في عناصر تكونها، توجد خارج المجال الروماني والمجال الجرماني.
ففي نص ساقه إلينا المؤرخ (بيير ريشيه
Pierre Richèe)، وصف القديس (أمبرواز Ambroise) الحالة التي نتحدث عنها كما رآها فقال: ((انقضت قبائل الشعوب الهونية على القبائل الجرمانية القاطنة على حدود روسيا les Alains وانقضّ هؤلاء على القوط، وحين جلا القوط عن بلادهم زحفوا علينا فأجبرونا على الهجرة إلى إقليم الليريا، وليس هذا هو كل شيء ... الخ)).
فمن هذا نرى أن الموجة التي أغرقت الإمبراطورية الرومانية، لم تتولد في النطاق الإمبراطوري أو في النطاق الجرماني، بل هنالك بعيداً، في شمال آسيا.
فإذا أضفنا إلى ذلك، أن سقوط أسرة (الهان) في الصين فجر القرن الثالث، هو الذي حرك قبائل (الهون) الذين استهوتهم الإمبراطورية الصينية في فترة من فترات أزماتها، وأن قبيلة المغول المسماة
Toun-gouses هي التي حولت هجرة الشعوب الهونية نحو الغرب، أدركنا بذلك أن الأسباب الرئيسية التي حتمت نهاية الإمبراطورية الرومانية إنما تكمن وراء (مجال الدراسة) الذي يقدم عادة تفسير أحداث التاريخ في الغرب.
وهكذا نرى أن تأثير (رد الفعل) الذي حدث في سفح سور الصين قد استغرق قرنين من الزمان، قبل أن يصل إلى حدود االإمبراطورية الرومانية.
فهناك إذن خلف الأسباب القريبة أسباب بعيدة، تخلع على تفسير التاريخ طابعاً ميتافيزيقياً أو كونياً، أياً ذلك كان.

لقد تناولنا في دراسة سابقة هذا الموضوع من جانب الفرد، كيما نستخرج الشروط التي ينبغي عليه أن يسهم بها في نمو حضارة يعد هو فيها العامل الحاسم. ونحن هنا نتناول الناحيتين الأخريين، لكي ندرس التطور الحديث في العالم الإسلامي، آخذين بعين الاعتبار علاقات هذا التطور القائمة أو الممكنة مع الحركة العامة في التاريخ الإنساني.
وإنه لمما يشق علينا أن نعرف جذور هذه الحركة في المكان والزمان، وليس يفيدنا في شيء أن نتساءل هنا عما إذا كانت قد بدأت في مصر أو في غيرها، كل ما نقوم به هو أن نلاحظ استمرارها عبر الأجيال، فإذا ما أردنا أن نحدد أبعادها (التاريخية) وجدناها تشير إلى رقعة غير ثابتة، حتى إن ما نلاحظه من الاستمرار في حركة التاريخ العامة، قد يختفي وراء (انفصال) يظهر عندما ننظر إلى تعاقب مجالي الحضارة.
والواقع أن لنا هنا جانبين جوهريين: الجانب الميتافيزيقي أو الكوني، وهو جانب ذو هدف عام وذو غاية. والجانب (التاريخي) الاجتماعي، وهو جانب مرتبط بسلسلة من الأسباب.
والحضارة من هذا الجانب الأخير تتمثل أمامنا كأنها مجموعة عددية تتتابع في وحدات متشابهة، ولكنها غير متماثلة. وهكذا تتجلى لأفهامنا حقيقة جوهرية في التاريخ هي: (دورة الحضارة)، وكل دورة محددة بشروط نفسية زمنية خاصة بمجتمع معين، فهي (حضارة بهذه الشروط). ثم إنها تهاجر وتنتقل بقيمها إلى بقعة أخرى، وهكذا تستمر في هجرة لا نهاية لها، تستحيل خلالها شيئاً آخر، لتعد كل استحالة تركيباً خاصاً للإنسان والتراب والوقت.
ولقد يحدث أن يقوم بعض الكتاب ببتر المفهوم التاريخي، كما فعل (توسيديد) حين أبطل ماضي الإنسانية كله بقوله: ((إن حدثاً مهماً لم يقع في العالم قبل عصره))، فمثل هذه الأقوال هي التي تخلق (ثقافة الامبراطورية)، تلك الثقافة التي تقوم على أساطير السيادة العنصرية، والاستعمار ... ناشر الحضارة .. !!
ومع ذلك فعندما تذهب الفلسفة الماركسية إلى أن (التطور التاريخي والاجتماعي) يبدأ من (الحيوانية البدائية) إلى عهد يسود فيه (الرخاء والضمير والحرية) فإنها تغفل فكرة (الدورة) الجوهرية، مع أن غاية هذه النظرة ونتيجتها تتعارض مع منطقها الجدلي ذاته.
كان ابن خلدون وحده، هو أول من استنبط فكرة (الدورة) في نظريته عن (الأجيال الثلاثة) إذ يختفي عمق الفكرة خلف مصطلحات ضيقة ضحلة؛ فقد رد نطاق الحضارة إلى حدود العصبية الأسرية، وعلى الرغم من ضيق هذه النظرة التي قد تعكس لنا عناصر النفس الإسلامية آنذاك، فإنها تدفعنا إلى تأكيد الجانب الانتقالي في الحضارة، أي إننا لا نرى فيها سوى تعاقب ظواهر عضوية، لكل منها بالضرورة في مجالها المعين بداية ونهاية.
وتأتي أهمية هذه النظرة من أنها تتيح لنا الوقوف على عوامل التقهقر والانحطاط، أي على قوى الجمود داخل الحضارة، إلى جانب شرائط النمو والتقدم، فهي تتيح لنا أن نجمع كلاً لا تتجزأ مراحله. ومن الملاحظ أن التعارض الداخلي بين أسباب الحياة والموت في أية عملية حيوية (بيولوجية)، هو الذي يؤدي بالكائن إلى قمة نموه ثم إلى نهاية تحلله، أما في المجال الاجتماعي، فإن هذه الحتمية محدودة بل مشروطة، لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية زمنية، يمكن للمجتمع المنظم أن يعمل في نطاقها حين يعدل حياته، ويسعى نحو غاياته في صورة متجانسة منسجمة.
هذه الملاحظات تدفعنا إلى أن ننتقد مسلك بعض الباحثين حين ينظرون إلى ظاهرة (الحضارة) منفصلة عن ظاهرة (الانحطاط)؛ وإن العالم الإسلامي لفي مسيس الحاجة في هذه النقطة إلى أفكار واضحة تهدي سعيه نحو النهضة ولهذا فإن مما يهمنا في المقام الأول أن نتأمل الأسباب البعيدة التي حتمت تقهقره وانحطاطه.
فلقد عرف هذا العالم أول انفصال في تاريخه في معركة صفين عام 38 للهجرة، إذ كان يحمل بين جنبيه بعد قليل من سنوات ميلاده تعارضاً داخلياً؛ كانت (حمية الجاهلية) تصطرع مع (الروح القرآني)، فجاء معاوية، رضي الله عنه، فحطم ذلك البناء الذي قام لكي يعيش، ربما إلى الأبد، بفضل ما ضُمِّنه من توازن بين عنصر الروح وعنصر الزمن.

يتبع...
__________________








رد مع اقتباس