وأنا هنا أقف مع آيات من كتاب الله عز وجل تذكرتها وأحسست بها عندما كنا
نصلي في صلاة العشاء في قريتنا وقد قدموني للصلاة لان الإمام تأخر
فعند الركعة الثانية انقطعت الكهرباء وانطفي النور فتذكرت هذه الآيات وقرأتها
وهي قول الله تعالي ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا
نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ
لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ(13)يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن
مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ
حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ(14)
وقمت بعد الصلاة مذكرا بهذه الآيات ورابطا بينها وبين ما حدث
(من انقطاع النور )وقلت (نحن كنا في نور نري أمامنا ولكن عندما انقطع النور
أصبحنا لا نري شيئا وأظلمت الدنيا علينا فقلت تخيل نفسك وأنت في يوم القيامة
يوم الحسرة والندامة يوم تكشف السرائر واذا كورت الشمس وخسف القمر
وصار الناس في الظلمة ونصب الصراط على متن جهنم وأنت واقفا أمام الصراط
في هذا الموقف يكون الظلام دامسا فيعطي المؤمنون أنوارهم علي قدر أعمالهم
فكيف تريد ان يكون نورك ؟ هل تريده نورا ضعيفا أم قويا ؟
فالمسالة ليست بالأماني ولكنها بالأعمال
وذكرتهم أيضا بالصلاة وربطت بينها وبين النور وذلك في قول النبي صلي الله
عليه وسلم (الصلاة نور ...الحديث ) وذكرت الفوائد من هذه الايات فاذكر منها
اولا يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره (يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين
المتصدقين، أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم بحسب أعمالهم،
كما قال عبد اللّه بن مسعود في قوله تعالى { يسعى نورهم بين أيديهم}
قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل،
ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره
في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة رواه ابن أبي جرير ، وقال الضحّاك: ليس أحداً
إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفيء نور المنافقين،
فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفيء نور المنافقين، فقالوا:
ربنا أتمم لنا نورنا، وقال الحسن { يسعى نورهم بين أيديهم} : يعني على الصراط.)
ثانيا حال المنافقين يوم القيامة فلانهم كانوا يظهرون الاسلام ويبطنون غيره
فيكونون مع المؤمنين ويعطوا نورا ولكن ينطفئ هذا النور فينادونهم
ليقتبسوا من نورهم ولكن هيهات فلينظر المؤمن كيف يكون حاله
لو طفئي نوره فنسال الله السلامة
يقول ابن كثير رحمه الله
{ ينادونهم ألم نكن معكم} أي ينادي المنافقين المؤمنين: أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات؟ ونصلي معكم الجماعات؟ ونقف معكم بعرفات؟ ونحضر معكم الغزوات؟ ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ قالوا: بلى، أي فأجاب المؤمنون النافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا { ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني} ، قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات { وتربصتم} أي أخّرتم التوبة من وقت إلى وقت، وقال قتادة: { تربصتم} بالحق وأهله، { وارتبتم} أي بالبعث بعد الموت، { وغرتكم الأماني} أي قلتم: سيغفر لنا، وقبل غرتكم الدنيا { حتى جاء أمر اللّه} أي ما زلتم في هذا حتى جاءكم الموت، { وغركم باللّه الغرور} أي الشيطان، وقال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان واللّه ما زالوا عليها حتى قذفهم اللّه في النار، ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: إنكم كنتم معنا أي بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون اللّه إلا قليلاً،)
ثالثا أقول من الفوائد أيضا وهذه مما لمحتها من الواقع أن الذي يكون في نور
ثم يطفئ نوره انه يكون في ظلمة اشد ممن كان في الظلام أصلا
وهذا حال المنافق ظلامه اشد من ظلام الكافر
لذلك هو في الدرك الأسفل من النار نسأل الله السلامة )
__________________
«ولو أنّا كلّما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه، وبدّعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابنُ نصر، ولا ابنُ منده، ولا من هو أكبرُ منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحقّ، وهو أرحمُ الراحمين، فنعوذُ بالله من الهوى والفظاظة»
[ الذهبي «سير أعلام النبلاء»: (14/ 40)]
|