
2014-03-26, 05:46 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَا
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا
من يهد الله فلا مضلّ له من يضلل الله فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،
و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ..
أمّا بعد :
فقد قال الإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى :
سُورَةُ هُودٍ
قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْكَافِرَ يُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَقِرَى الضَّيْفِ
وَالتَّنْفِيسِ عَنِ الْمَكْرُوبِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا يَعْنِي
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا؛ ثُمَّ نَصَّ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ
وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا الْآيَةَ [11 \ 16] .
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ
الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا الْآيَةَ [42 \ 20] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ
طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا الْآيَةَ [46 \ 20] .
وَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وَقَوْلُهُ: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [24 \ 39] ، عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ،
وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [8 \ 33] ، عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ الْمَاضِيَةِ فِي سُورَةِ
" الْأَنْفَالِ " وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْكَافِرَ يُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهُ
جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ عَمَلِ الْكَافِرِ وَاضْمِحْلَالِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَفِي بَعْضِهَا التَّصْرِيحُ
بِبُطْلَانِهِ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَةِ فِي كُفْرِ الرِّدَّةِ وَفِي غَيْرِهِ.
أَمَّا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى بُطْلَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ فَكَقَوْلِهِ:
أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [14 \ 18] ،
وَكَقَوْلِهِ: أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ الْآيَةَ [24 \ 39] ،
وَقَوْلِهِ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [25 \ 23] .
وَأَمَّا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى بُطْلَانِهِ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَةِ فَكَقَوْلِهِ فِي كُفْرِ الْمُرْتَدِّ:
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [2 \ 217] ،
وَكَقَوْلِهِ فِي كُفْرِ غَيْرِ الْمُرْتَدِّ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3 \ 22] ،
وَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّ الْإِنْعَامَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ لِلْإِكْرَامِ بَلْ لِلِاسْتِدْرَاجِ وَالْإِهْلَاكِ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [7 \ 182 - 183] ،
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا
إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [3 \ 178]
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا
أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [6 \ 44] ،
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ [23 - 56] ،
وَقَوْلِهِ: قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [19] ،
وَقَوْلِهِ: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً - إِلَى قَوْلِهِ - وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [43 33 - 35] ،
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: وَيَظْهَرُ لِي صَوَابُهُ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، أَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يُثِيبُهُ اللَّهُ بِعَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا
كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ وَصَحَّ بِهِ الْحَدِيثُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُثِيبُهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ،
وَهَذَا مُشَاهَدٌ فِيهِمْ فِي الدُّنْيَا.
فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي عَيْشٍ رَغْدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي بُؤْسٍ وَضِيقٍ.
وَوَجْهُ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ تَعَالَى أَشَارَ إِلَيْهِ بِالتَّخْصِيصِ بِالْمَشِيئَةِ فِي قَوْلِهِ:
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [17 \ 18] .
فَهِيَ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ [11 \ 15] ،
وَعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا [42 \ 20] .
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا مُخَصِّصَةٌ لَهُمَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي الْكَلَامِ
عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: " بَابُ الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ "،
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا الْآيَتَيْنِ.
وَيَدُلَّ لِهَذَا التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [22 \ 11] .
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حَمْلِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
يتبع...
|