الأَشْعَث الكِنْدي
(23 ق هـ - 40 هـ = 600 - 661 م)
الأشعث بن قيس بن معدى كرب الكندي، أبو محمد: أمير كندة في الجاهلية والإسلام. كانت إقامته في حضرموت، ووفد على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد ظهور الإسلام، في جمع من قومه، فأسلم، وشهد اليرموك فأصيبت عينه. ولما ولي أبو بكر الخلافة امتنع الأشعث وبعض بطون كندة من تأدية الزكاة، فتنحى والي حضرموت بمن بقي على الطاعة من كندة، وجاءته النجدة فحاصر حضرموت، فاستسلم الأشعث وفتحت حضرموت عنوة، وأرسل الأشعث موثوقا إلى أبي بكر في المدينة ليرى فيه رأيه، فأطلقه أبو بكر وزوّجه أخته أم فروة، فأقام في المدينة وشهد الوقائع وأبلى البلاء الحسن. ثم كان مع سعد بن أبي وقاص في حروب العراق. ولما آل الأمر إلى علي كان الأشعث معه يوم صفين، على راية كندة. وحضر معه وقعة النهروان.
وورد المدائن، ثم عاد لى الكوفة فتوفي فيها على أثر اتفاق الحسن ومعاوية. أخباره كثيرة في الفتوح الإسلامية. وكان من ذوي الرأي والإقدام، موصوفا بالهيبة. وهو أول راكب في الإسلام مشت معه الرجال يحملون الأعمدة بين يديه ومن خلفه. روى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث.
ذكر قصة حرب الردة لقبائل كندة بحضرموت بقيادة وتحريض الأشعث بت قيس
قبل أن يعود للإسلم بعد ذلك
وقد
أتعب المسلمين حين ردته
................
لما فرغ أبو بكر رضي الله عنه من حرب أهل البحرين، عزم على محاربة أهل حضرموت من كندة، وذلك أن عاملهم زياد بن لبيد الأنصاري الذي كان ولاه عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان مقيما بحضرموت، يصلي بهم ويأخذ منهم ما يجب عليهم من زكاة أموالهم، فلم يزل كذلك إلى أن مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسبيله، وصار الأمر إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال له الأشعث بن قيس: (يا هذا، إنا قد سمعنا كلامك ودعائك إلى هذا الرجل، فإذا اجتمع الناس إليه اجتمعنا) ، قال له زياد بن لبيد : (يا هذا، إنه قد اجتمع المهاجرون والأنصار) ، فقال الأشعث: (إنك لا تدري كيف يكون الأمر بعد ذلك) .
قال: فسكت زياد بن لبيد ولم يقل شيئا، ثم قام إلى الأشعث بن قيس
ابن عم له من كندة يقال له امرؤ القيس بن عابس ، فقال: (يا أشعث، أنشدك بالله وبإيمانك وقدومك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن نكصت أو رجعت عن دين الإسلام، فإنك إن تقدمت تقدمت الناس معك، وإن هذا الأمر لا بد له من قائم يقوم به فيقتل من خالفه عليه، فاتق الله في نفسك، فقد علمت بما جرى على من خالف أبا بكر من العرب ومنعة الزكاة) . فقال له الأشعث: (يا ابن عابس، إن محمدا قد مضى لسبيله، وإن العرب قد رجعت إلى ما تعبد من الآباء، ونحن أقصى العرب دارا) . قال له امرؤ القيس: (فسيبعث إلينا أبو بكر جيشا كما بعث إلى غيرك، وأيضا فإن زياد بن لبيد بين أظهرنا، وهو عامل علينا، فلا يدعك أن ترجع إلى الكفر بعد الإيمان) . قال: فضحك الأشعث، ثم قال: (أو لا يرضى زياد يا ابن عابس أن نجيره ويكون بين أظهرنا) ، قال له امرؤ القيس: (يا أشعث، انظر ما يكون بعد هذا) .
قال: ثم انصرف امرؤ القيس وهو يقول :
1- ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وسكان المدينة أجمعينا
- فليس مجاورا بيتي بيوتا ... بما قال النبي مكذبينا
3- دعوت عشيرتي للسلم لما ... رأيتهم تولوا مدبرينا
4- شأمتم قومكم وشأمتمونا ... وغابركم سيشأم غابرينا
5- فلست بعادل لله ربا ... ولا متبدلا بالسلم دينا
قال: وافترق القوم فرقتين، فرقة أقاموا على دين الإسلام، فلم يرجعوا وعزموا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وفرقة عزموا على منع الزكاة والعصيان.
وانصرف زياد بن لبيد مغموما إلى منزله، فلما كان بعد أيام نادى في أهل حضرموت فجمعهم ثم قال: (اجمعوا صدقاتكم، فإني أريد أن أوجه بها إلى أبي بكر رضي الله عنه، لأن الناس قد اجتمعوا عليه، وقد أهلك الله أهل الردة وأمكن منهم المسلمين) .
قال: فجعل قوم يعطونه الزكاة طائعين، وقوم يعطونه إياها كارهين، وزياد بن لبيد يجمع الصدقات ولا يريهم من نفسه إلا الصرامة، غير أنه أخذ يوما من الأيام ناقة من إبل الصدقة فوسمها وسرحها مع الإبل التي يريد [أن] يوجه بها إلى أبي بكر، وكانت هذه الناقة لفتى من كندة يقال له زيد بن معاوية القشيري من بني قشير، فأقبل إلى رجل من سادات كندة يقال له حارثة بن سراقة ، فقال له: (يا ابن عم، إن زياد بن لبيد قد أخذ ناقة لي فوسمها وجعلها في إبل الصدقة، وأنا مشغوف بها، فإن رأيت أن تكلمه فيها فلعله أن يطلقها ويأخذ غيرها من إبلي، فإني لست أمنع عليه) .
قال: فأقبل حارثة بن سراقة إلى زياد بن لبيد وقال: (أرأيت أن ترد ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعما) ، فقال له زياد: (إنها قد دخلت في حق الله، وقد وضع عليها ميسم الصدقة ولا أحب أن آخذ غيرها) ، فغضب حارثة بن سراقة من ذلك، ثم قال: (أطلقها وأنت كريم، وإلا أطلقها وأنت لئيم) ، قال: فغضب زياد من ذلك، ثم قال: (لا أطلقها حتى أنظر من يحول بيني وبينها أو يمنعها) ، قال: فتبسم حارثة بن سراقة وجعل يقول :
1- يمنعها شيخ بخديه الشيب ... 2- ملمع كما يلمع الثوب
- ماض على الريب إذا خيف الريب ... 4- ما إن يبالي العيب وقت العيب
قال: ثم أقبل حارثة بن سراقة إلى إبل الصدقة، فأخرج الناقة بعينها، ثم قال لصاحبها: خذ ناقتك إليك، فإن كلمك أحد فاخطم أنفه بالسيف، نحن إنما أطعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان حيا، ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه، وأما [ابن] أبي قحافة فما له طاعة في رقابنا ولا بيعة، ثم أنشأ حارثة يقول :
1- أطعنا رسول الله إذ كان وسطنا ... فيا عجبا ممن يطيع أبا بكر
2- ليورثه بكرا إذا كان بعده ... وتلك وبيت الله قاصمة الظهر
3- وإن أناسا يأخذون زكاتكم ... أقل ورب البيت عندي من الذر
4- وإن الذي تعطونه بجهالة/ ... لكالتمر أو أحلى بفينا من التمر
5- حلفت يمينا غير حنث مشوبة ... وإني لأهل أن أوفي بها نذري
6- على ما ترجو قريش ودون ما ... يرجون طعن بالمثقفة السمر
7- وضرب يزيل الهام عن مستقره ... كما كانت الأشياخ في سالف الدهر
8- أنعطي قريشا مالنا إن هذه ... لتلك التي يخزى بها المرء في القبر
9- فيا قوم لا تعطوا اللئام مقادة ... وقوموا وإن كان المقام على الجمر
10- فكندة ما زالت ليوثا لدى الوغى ... وغيث بني [حواء] في العسر واليسر
11- وما لبني تيم بن مرة إمرة ... علينا ولا تلك القبائل من فهر
12- لأن رسول الله أوجب طاعة ... وأولى بما استولى عليهم من الأمر
قال: فلما سمع زياد بن لبيد هذه الأبيات، كأنه اتقى على ما جمع من إبل
الصدقة أن تؤخذ منه، فخرج من ليلته يريد المسير إلى أبي بكر رضي الله عنه، ومعه نفر من أصحابه، فلما صار على مسيرة يومين من القوم [كتب] إلى حارثة بن سراقة بهذه الأبيات :
1- نقاتلكم في الله والله غالب ... على أمره حتى تطيعوا أبا بكر
2- وحتى تقولوا بعد خزي وذلة ... رضينا بإعطاء الزكاة على القسر
3- وحتى تقولوا بعد كفر وردة ... بأنا أناس لا نعود إلى الكفر
4- وليس لنا والله بد من اخذها ... فدونكموها مثل راغية البكر
5- فإن تصبروا للضرب والطعن بالقنا ... فإنا أناس مجمعون على الصبر
قال: فلما وردت أبيات زياد بن لبيد هذه غضبت أحياء كندة لذلك غضبا شديدا، ثم وثب الأشعث بن قيس فقال: خبروني عنكم يا معشر كندة إن كنتم قد أزمعتم على منع الزكاة وحرب أبي بكر، فهلا قتلتم زياد بن لبيد، فكان يكون الأمر في ذلك واحدا كائنا ما كان، ولكنكم أمسكتم عنه حتى أخذ زكاة أموالكم ثم رحل عنكم إلى صاحبه، وكتب إليكم ويهددكم بهذه الأبيات. فقال له رجل من بني عمه: صدقت والله يا أشعث، ما كان الرأي إلا قتل زياد بن لبيد وارتجاع ما دفع إليه من إبل الصدقة، والله ما نحن إلا عبيد لقريش، مرة يوجهون إلينا بالمهاجر بن أبي أمية فيأخذون من أموالنا ما يريدون، ومرة يولون علينا مثل زياد بن لبيد، فيأخذ من أموالنا ويهددنا بالقتل، والله لا طمعت قريش في أموالنا بعدها أبدا، ثم أنشأ يقول :
|