قال: وجعل زياد بن لبيد يحرض المسلمين على حرب عدوهم وهو يقول:
1- يا بني كندة الكرام أعدوا ... واستعدوا لوقعة الأحزاب
2- قد أمد العدو منكم بخيل ... وكهول لحربكم وشباب
3- وأمدوا نفوسكم باصطبار ... حين تلقون جمعهم واحتساب
4- إنكم طال ما بهم قد ظفرتم ... وأقمتم للقوم سوق الضراب
5- فامنحوهم إذا التقيتم طعانا ... وضرابا على المذاكي العراب
قال: وبلغ ذلك الأشعث بن قيس بأن زياد بن لبيد قد شجع أصحابه، فجعل الأشعث أيضا يشجع أصحابه ويحرضهم وهو يقول: يا معشر كندة، لا يهولنكم مدد أعدائكم لأصحابهم فإن النصر مع الصبر، والقوم مع الصبر لا يثبتون، فقاتلوهم محتسبين، ثم أنشأ يقول:
1- لا يهولنكم بني عمرو الندى ... مدد المكي إليهم [] عكرمه
2- فاستعدوا برماح شرع ... وسيوف الهند تفري القممه
3- واصبروا عن كل ما نابكم ... فعلى مالك تيم وكمه
4- هذه نيران حرب أضرمت ... فاصطلوا نيران حرب مضرمه
5- لستم فيها بأنكاس ولا ... عزلا مثل اللئام القرمه
6- فافلقوا بالبيض هامات العدى ... في الوغى حتى تلاقى البهمه [
قال: وجعل كل رأس من رؤساء كندة يحرض بني عمه على الحرب، ويأمرهم أن لا يقصروا.
قال: وأصبح زياد بن لبيد وقد عبى أصحابه، وعبى الأشعث أيضا أصحابه، وتسربل في سلاحه، وعلى رأسه تاج لجده يزيد بن معديكرب، وتقدم زياد بن لبيد حتى وقف قدام أصحابه، وجالت الحرب بعضها على بعض، واقتتلوا قتالا شديدا، وتناشدوا أشعارا لم نذكرها، وخرج الأشعث لزياد، فانهزم زياد وأصحابه حتى دخلوا مدينة حضرموت فتحصنوا بها، وبلغ ذلك عكرمة بن أبي جهل، فكتب إلى زياد يعلمه الوقت الذي يوافيه فيه، وأنه يوافيه في يوم كذا وكذا.
قال: ففرح زياد وأصحابه، وخرج من مدينة تريم ، وأنه يشك بقدوم عكرمة عليهم، فلما كان ذلك اليوم الذي وعده عكرمة أن يوافيه فيه، ركب زياد في أصحابه/ وخرج من مدينة تريم، وأنه ليشد بالأيدي على استواء فرسه من الجراحات، فعلم الأشعث أن زيادا قد خرج إليه، ثم ركب هو وأصحابه وساروا نحو زياد على غير تعبئة، فلما تلاقى الجمعان، اختلط القوم واقتتلوا قتالا شديدا، وهم أصحاب زياد بالهزيمة، فبينما هم كذلك إذ وصل إليهم عكرمة في تعبئة حسنة، وخيل عتاق، وسلاح شاك، ورجال جلد.
قال: ونظرت قبائل كندة إلى خيل عكرمة وقد أشرفت عليهم، فصاحوا بالأشعث، ما ترى هذه خيل عكرمة قد أشرفت، ونحن تعبنا وخيلنا قد كلت، وعامتنا جرحى. قال: فشجعهم الأشعث وأمرهم بالصبر ونهاهم عن العجز والكسل، واختلطت خيل عكرمة وخيل زياد، فصاروا في موضع واحد، واجتمعوا وحملوا على الأشعث وأصحابه، فلم يزل واحد منهم عن موضعه، لكنهم أشرعوا الرماح في صدور المسلمين، ثم جالت الخيل بعضهم في بعض، وتقدم رجل من فرسان الأشعث، يقال له عرفجة بن عبد الله الذهلي، فحمل على خيل المسلمين، ولم يزل يقاتل حتى ضج المسلمون من طعانه، قال:
فرماه رجل من أهل مكة بسهم فوقع في فؤاده فقتله، فصاح زياد بن لبيد: يا معشر المسلمين، أبشروا فقد أخمد الله جمرة كندة بقتل عرفجة الذهلي.
قال: وتقدم الأشعث بن قيس حاسر الرأس، وطلب البراز، فخرج إليه عكرمة، فجالا ثم التقيا بطعنتين ولم يصنعا شيئا، فرمى كل واحد برمحه من يده واعتمد على قائم سيفه، ثم التقيا بضربتين، بدره الأشعث بضربة قد بها بيضة عكرمة، ثم إن رجلا يقال له النعمان بن الحارث، حمل على الأشعث فطعنه طعنة منكرة، حتى كاد الأشعث أن يسقط عن فرسه.
قال: وجعل الأشعث يقاتل، وكلما حمل بفرسه على الناحية التي فيها زياد ينحاز زياد عن ذلك الموقف إلى غيره. وهبت ريح وثار العجاج، فلم يبصر الناس بعضهم بعضا وحسر الأشعث عن رأسه، ونادى: الصبر الصبر يا معشر كندة، فإن القوم قد صبروا لكم.
قال: ولم يزل القوم على ذلك إلى وقت المساء، ثم اجتمع المسلمون بأجمعهم في موضع واحد، ورفعوا أصواتهم بالتكبير، ثم حملوا على الأشعث وأصحابه، كحملة رجل واحد، فهزموهم حتى ألجئوهم إلى حصنهم الأعظم.
قال: فدخل الأشعث وأصحابه إلى ذلك الحصن وأغلقوا عليهم الباب. وأقبل زياد بن لبيد، وعكرمة بن أبي جهل، والمهاجر بن أمية، وجميع المسلمين، حتى نزلوا/ على الحصن فأحدقوا به من كل ناحية، واشتد الحصار على من في
الحصن من قبائل كندة، فقال لهم الأشعث: يا بني عمي، ما الرأي، فقالوا:
والله الرأي أن نموت كراما، قال الأشعث: فإن كنتم عزمتم على ذلك فافعلوا كما أفعل حتى أعلم أنكم صادقون، قال: ثم ضرب الأشعث بيده إلى ناصيته فجزها وربطها على رأس رمحه، وجز القوم نواصيهم وربطوها في رؤوس رماحهم، وتبايعوا على الموت. فلما أصبح الأشعث أمر بباب الحصن ففتح، وخرج في أوائل القوم، وهو يرتجز ويقول:
1- يا قوم إن الصبر بالإخلاص ... 2- فللإله فاحلقوا النواصي
3- وبارزوا الأعداء بالعراص ... 4- على عتاق الخيل والقلاص
5- لا تجزعوا قومي من القصاص ... 6- ولا تقروا الدهر بالنكاص
7- أو لا تصيرون إلى الخلاص
قال: ثم خرج خلفه الخنفسيس بن عمرو، وضفيرته معقودة على رأس رمحه، وأنشد أبياتا اختصرنا عن ذكرها.
يوم من أيامهم، حتى قتل من الفريقين بشر كثير. قال: وأثخن الأشعث بالجراحات، فولى منهزما هو وأصحابه، حتى دخلوا الحصن، فحاصر [المسلمون] [ الأشعث وأصحابه أشد حصار.
قال: وسمعت بذلك قبائل كندة ممن كان تفرق عن الأشعث لما قتل رسول أبي بكر رضي الله عنه، فقال بعضهم لبعض: يا قومنا، إن بني عمنا قد حصروا في حصن النجير، وهذا عار علينا أن نسلمهم، فسيروا بنا إليهم. قال:
فسارت قبائل كندة يريدون محاربة المسلمين، وبين أيديهم الجبر بن القشعم الأرقمي شاك في السلاح، وهو يقول:
1- قد حصرت كندة في النجير ... 2- ما إن لها عن الدفاع غيري
3- ومنجهم غيري معا وخيري ... 4- وعنهم أنفي العدا بصبري
وأقبل أبو قرة الكندي في قومه، وأنشد أبياتا لم نذكرها. قال: وأقبل أبو الشمر الكندي في قومه من بني جمرة، وأنشد أبياتا لم نذكرها.
قال: وبلغ زياد بن لبيد مسير هؤلاء القوم إليه، فكأنه جزع لذلك، ثم أقبل على عكرمة بن أبي جهل فقال له/ ما ترى، فقال عكرمة: أرى أن تقيم أنت على باب الحصن محاصرا لمن فيه، حتى أمضي أنا فألتقي هؤلاء القوم، فقال زياد: نعم ما رأيت، ولكن انظر يا عكرمة، إن أظفرك الله بهم فلا ترفع السيف عنهم أو تبيدهم عن آخرهم. فقال عكرمة: لست ألوي جهدا فيما أقدر عليه إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
__________
قال: ثم خرج من بعده عبد الرحمن بن محرز الحطمي وناصيته مربوطة في رأس رمحه، وأنشد أبياتا تركنا ذكرها. قال: ثم خرج من بعده مسيلمة بن يزيد القشيري، وأنشد أبياتا تركنا ذكرها. ثم خرج من بعده سعد بن معد يكرب، وأنشد أبياتا تركنا ذكرها، قال: فكان كلما خرج رجل من أشرافهم خرج معه قومه وعشيرته.
قال: واختلط القوم، فاقتتلوا على باب الحصن قتالا لم يقاتلوا مثله في
قال: ثم جمع عكرمة أصحابه وسار حتى وافى القوم، وقد تعبأ تعبئة الحرب، فلم يكذب [] عكرمة أن حمل عليهم، واقتتلوا قتالا شديدا، وجرح عكرمة في رأسه، وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فلما كان من الغد، دنا بعضهم من بعض واقتتلوا حتى أمسوا، والأشعث لا يعلم بشيء من ذلك، غير أنه طال عليه وعلى من معه الحصار، واشتد بهم الجوع والعطش، فأرسل الأشعث إلى زياد أن يعطيه الأمان ولأهل بيته ولعشرة من وجوه أصحابه، فأجابه زياد إلى ذلك، وكتب بينهم الكتاب، فظن أهل الحصن أن الأشعث قد أخذ لهم الأمان بأجمعهم، فسكتوا ولم يقولوا شيئا، واتصل الخبر بعكرمة فقال للذين يقاتلونه: يا هؤلاء، على ماذا تقاتلون، فقالوا: نقاتلكم على صاحبنا الأشعث بن قيس، قال عكرمة: إن صاحبكم قد طلب الأمان، وهذا كتاب زياد بن لبيد إلي يخبرني بذلك، ورمى الكتاب إليهم، فلما قرأوه قالوا: يا هذا ننصرف، فلا حاجة لنا في قتالك بعد هذا.
ثم انصرف القوم عن محاربة عكرمة، وهم في ذلك يسبون الأشعث ويلعنونه، فأنشأ عكرمة يقول:
1- رددت بني وهب عن الحرب بعد ما ... علينا بأسياف حداد تجمعوا
2- فجالدتهم صدر النهار إلى الضحى ... وكافحني منهم همام سميدع []
3- فلا القوم حامونا ولا نحن عنهم ... ولكن صلح القوم أبقى وأودع
قال: ثم أقبل عكرمة على أصحابه فقال: سيروا وأسرعوا السير إلى إخوانكم من المسلمين، فإن الأشعث قد طلب الأمان، فلعله أن يغنم زياد
وأصحابه ما في الحصن، إنهم لا يشركونكم في شيء من ذلك، لأنهم قد سبقوكم إلى فتح الحصن، إلا أن يرى زياد في ذلك رأيه. قال: فأنشأ رجل من أصحابه يقول [ :
يتبع...
|