قال الله تعالي (هلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19))
هذه الايات توقفت عندها كثيرا ......ففي هذه الايات اهمية ذهاب الدعاة الي المفسدين لدعوتهم واهمية الوصول الي كبار القوم ....وفيها اهمية تعلم اسلوب الدعوة والحكمة قبل ان يدعوا يتعلم
ماذا يقول وكيف يخاطبهم فالله عز وجل علم موسي عليه السلام ماذا يقول (فقل هل لك الي ان تزكي )
كذلك لابد في الدعوة من اللين والرفق وترك الغلظة وان الدعاة عليهم اخذ الناس بالحكمة .....فالذين يخاشنون الناس ويغلظون هم علي ضد ما امر الله به انبياءه
يقول الامام ابن القيم رحمه الله : ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له ( هل لك إلى أن تزكى . وأهديك إلى ربك فتخشى ) ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه :
أحدهما : إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرج مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ، ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين ( ألا تأكلون ) ولم يقل كلوا .
الثاني : قوله ( إلى أن تزكى ) والتزكي والنماء والطهارة والبركة الزيادة ، فعرض عليه أمراً يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل .
الثالث : قوله ( تزكى ) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه وعلى هذا يخاطب الملوك .
الرابع : قوله ( وأهديك ) أي أكون دليلاً لك وهادياً بين يديك، فنسب الهداية إليه والتزكي إلى المخاطب، أي أكون دليلاً لك وهادياً فتزكى أنت كما تقول للرجل : هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت ؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك .
الخامس : قوله ( إلى ربك ) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه : جنيناً ، وصغيراً ، وكبيراً ، وآتاه الملك ، وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده : ألا تطيع سيدك ومولاك و مالكك ؟ وتقول للوالد ألا تطيع أباك الذي رباك .
السادس : قوله ( فتخشى ) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية .
السابع : أن في قوله ( هل لك ) فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب ؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحتـه لا إلى حاجة الداعي فكأنه يقول : الحاجة لك , وأنت المتزكي , وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك .
( فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ) يعني : فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية ودليلاً واضحاً على صدق ما جاء به من عند الله وهي العصا واليد علامة على نبوته)أ.هـ (استفدتها من درس للدكتور طه عابدين )
__________________
«ولو أنّا كلّما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه، وبدّعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابنُ نصر، ولا ابنُ منده، ولا من هو أكبرُ منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحقّ، وهو أرحمُ الراحمين، فنعوذُ بالله من الهوى والفظاظة»
[ الذهبي «سير أعلام النبلاء»: (14/ 40)]
|