سفَرٌ " في القرآن " : قرية فاسدة :
(1) :
هي قصة من قصص القرآن الكريم ، وهذا القصص لا يقص لمجرد الـ حكي ، بل هو : " عبرة لأولي الألباب " من حيث إن هذا حديث " لا يُفتَرى " .
هي في " يس " التي هي " مكية " ، ما يعني أن ما تعالجه ، في الغالب الأعم ، هو مسائل العقيدة ، والتي تضم قضايا عدة منها : طبيعة الوحي ، وتصديق الرسل ، ووحدانية الله تعالى .
ولنا " وجهة نظر " في تلك الحروف التي كثيراً ما نقرأها افتتاحياتٍ لبعض سِوَر القرآن الكريم ... وهي ، هنا ، الحرفان : ياء ، وسين ! وهنا تم القرنُ بين هذين الحرفين ، من ناحية ، وبين " القرآن الحكيم " من ناحية ثانية ! ما يشير إلى أن القرآن الكريم صيغَ من " جنس " ما يتداوله القوم من حروف الهجاء المقروءة والمكتوبة ، لكن يبقى للقرآن أن : فكرهَ المرسَل ، وتعبيراته الحاملة لهكذا فكر ، وقواعد الإصلاح التي يرسيها على صعد الاعتقاد والعمل ... كل ذلك مما لا يقدر على شيء منه القومُ الذين يستخدمون مفرداتٍ هي ، بذاتها ، ما يستخدمه القرآن الكريم .
عجيب أن يبدأ القول الكريم بوصف القرآن بأنه " الحكيم " ، مع أن الحكمة صفةٌ لـ فاعل ... وليس أي فاعل ، بل الفاعل العاقل !!! ، ما يعني أن للقرآن روحاً وحياةً وقصداً .
ونعلمُ ، سيرةً ، أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، كان يحب أن يسمع القرآن من غيره .
... : " وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)
هي قريةٌ ظَلمَ مترفوها غيرَهم من ساكنيها ، وأراد الله أمرين : إعادة الحق لأصحابه بإصلاح ما خرّبه المترفون ، وبيان كيف العلاج السماوي عبر قانون إلهي لا يتغير ولا يتبدل .
برز مسلمون أُرسِلوا إلى هذه القرية بغرض " إصلاح أمرها " عقدياً واجتماعياً وسياسياً .
لكن ما إن بدأ المصلحون / الإصلاحيون العمل " بين الناس " حتى راح المترفون يمنعونهم ... : " ما أنتم إلا بشر مثلنا " .
ولن " نتنطع " فنغرق في " تأويلات " حول القرية ، واسمها ، وناسها ... إلى آخر هذه الدلالات على " سفسطة " لا جنيَ من ورائها ، فلم يذكر القرآن أياً من ذلك ، ما يعني أن عدم ذكر ذلك كله لن يقلل من مراد الحدث ، ولا دِلالته ، ولا تشريعاته شيئاً ، ومن ثم جاء الإغفال . والله تعالى لا يتجاوز عن ذكر شيء فيه مصلحة للعباد ( تماماً كما سكت القرآن الكريم عن " تفاصيل " وقوع يوسف عليه السلام في البئر ، فجاء القَصص القرآني بنية إخوته إسقاطه في البئر ... ثم : " وجاءت سيارة " ) .
عرّف المرسَلون أنفسَهم لأصحاب القرية : " إنا إليكم مرسلون " . وجاء الاعتراض ، كما هو الحال مع أي مرسل من عند الله تعالى ، : " ما أنتم إلا بشر مثلنا " !!! هنا يظهر " مرض النفس " الكافرة ، التي لا تعرف وظيفة الرسول الذي هو من عند الله عز وجل إلى هذا الفريق أو ذاك من الناس ، وهذه النفس حبيسةُ التصور الطفولي الساذَج للرسول هيئةً ووظيفةً ، فهي تتصوره ، لزوماً وجودياً ، محاطاً بالأسرار عبْر كَمٍّ هائل من الأساطير الموغلة في الإسرار !!! ولهذا كثيراً ما نرى هكذا اعتراض ساذَج : كيف يكون الرسول بشراً كالبشر الآخرين الذين يسكنون البيوتات ويمشون في الأسواق ؟ .
يُتبع ...
|