عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 2014-12-30, 10:10 AM
الهذلي الهذلي غير متواجد حالياً
عضو فعال بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2014-07-14
المشاركات: 68
الهذلي
افتراضي

السلف والخلف :
كثر استعمال هاتين اللفظتين في صورة الاقتران والعطف ، فقد يراد بهما
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 175)
مجرد الدلالة اللغوية التي تعني السبق والمتابعة ، فسلف بمعنى سبق وتقدم ، وبمعنى مضى وانقضى ، وسلف السائر سلفا أي : تقدمه وسبقه ، وأما خلف ففي المعجم : خلف فلانا خلفا : جاء بعده فصار مكانه ، وفي القرآن الكريم : عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ وكذا الخلف : والعوض والبدل .
وقد حملت بعض الكتب أسماء تؤدي هذا المعنى اللغوي ، مثل : " صلة الخلف بموصول السلف " لمحمد بن سليمان المغربي ( ت 1094هـ ) ، والكتاب عبارة عن ثبت بأسماء كتب ألفها السابقون من العلماء ، وهي تفيد الذين أتوا بعدهم .
وكذلك كتاب ابن رجب الحنبلي " معان فضل السلف على الخلف " وفيه عدة رسائل في باب العلم والآداب ، كما يحوي كلاما موجزا في العقائد .
وقد يراد بهما معنى اصطلاحي مشتق من المعنى اللغوي ، كما في عنوان رسالة الشيخ عثمان بن أحمد النجدي : " نجاة الخلف في اعتقاد السلف " إذ لا يعقل أن الأمر هنا مجرد دلالة لغوية ، فيكون المعنى نجاة من لحق في اتباعه لمن سبق ، دون تقييد لصفات أخرى تجعل هذا السابق جديرا بأن يكون اتباعه منجيا .
وقد حدد ابن تيمية مفهوم السلف بما يفيد أنهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون وتابعوهم المعنيون بـ : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 176)
يقول ابن تيمية : فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ذكرنا طريقين :
أحدهما : أنا ذكرنا ما تيسر من ذكر ألفاظهم ومن روى ذلك عنهم من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة .
والثاني : أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من جميع طوائف المسلمين من طوائف الفقهاء الأربعة ، ومن أهل الحديث والتصوف ، وأهل الكلام كالأشعري وغيره ، فصار مذهب السلف مقبولا بإجماع الطوائف وبالتواتر ، لم نثبته بمجرد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعل أهل البدع .
ثم يقول : " فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف ، ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك " أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " .
ويقرر شيخ الإسلام في موضع آخر أن هناك اتفاقا بين أهل السنة والجماعة من جميع الطرق على أن خير القرون ما ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم وعمل ، وإيمان وعقل ، ودين وبيان ، . . . كما قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - : " مَن كان مِنكُـم مُستَنًّا فَليَستَنّ بِمَن قَد مات ؛ فَإنّ الحَيّ لا تُؤمَن عليه الفِتنةُ ، أولَئِك أَصحاب مُحمّد أَبَرّ هذه الأُمّة قُلُوبا ، وأَعمَقها عِلما ، وَأَقَلّها تَكلُّفا ، قوم اختارهم الله لِصُحبة نَبيّه وَإِقامة دِينه ، فَاعرفوا لَهُم حَقّهم ، وَتمَسّكوا بِهَديهِم ؛ فَإنّهم كانوا على الهدي المستقيم . . . " . وما أحسن ما قاله الشافعي - رضي الله عنه - في رسالته : " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل ، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى ، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا . . . . . . " .
فإن عامة ما عند السلف من العلم والإيمان هو ما استفادوه من نبيهم
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 177)
- صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور ، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد .
وبهذا يكون قد تحدد مفهوم السلف اصطلاحيا حين يذكر في باب اعتقادهم والأخذ عنهم .
أما مفهوم الخلف : فقد حدده شيخ الإسلام بأنه يراد به جماعة المتكلمين ومن تابع منهجهم ومنهج الفلاسفة ، وابتعد عن منهاج أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَهْمًا منهم أن ذلك خير من مذهب السلف ، ويصدق هذا المفهوم على الآخذين بهذا المنهج قديما وحديثا .
ولا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم ، وغلط في معرفة الله حجابهم ، وأخبر الواقـف على نهاية أقدامهم بما انتهى إليه أمرهم حيث يقول :

لعمــري لقــد طفــت المعــاهد كُلّهــا وســيرت طــرفي بيـن تلـك المعـالم
فلـــــم أر إلا واضعــــا كــــف حــــائر علــى ذقـــن أو قارعـــا ســن نــادم

ويبين شيخ الإسلام خطأ فهم الخلف لمنهج السلف ، وبيان ضلال من يزكي مذهب الخلف أنفسهم ؛ فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف إنما أتوا من حيـث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأُمِّيّين الذين قال الله فيهم : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ .
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات . . . وقد كذبوا على طريقة السلف ، وضلوا في تصويـب طريقة الخلف ، فجمعوا بين الجهل بطريق السلف في الكذب
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 178)
عليهم ، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف .
وبهذا فإن لفظ السلف حين يطلق يجب أن ينصرف لا إلى مجرد السبق الزمني ، بل إلى أصحاب الرسول وتابعيهم ومن بعدهم بشرط الالتزام بمنهجهم والذين يتأخر بهم الزمن أن يسموا سلفا إذا كانوا على نهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما لفظ الخلف فإنه لا يعني مجرد التأخر في الزمن ، ولكنه يضم إلى هذا معنى آخر هو البعد عن منهج السلف واتباع منهج الجدل العقلي وغيره من طرق البشر في التفكير الذي لا يستند إلى كتاب أو سنة . وقد حمل بعض العلماء شهرة بلقب السلفي ، وتناقلها كتب التراجم والطبقات أمثال : الحافـظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني ، وهو أحد الحفاظ المحدثين . ولد / 472 هـ وتوفي 576 هـ وعاش مائة وأربع سنين ، وكان مشهورا بلقب السلفي وقد أخطأ فريد وجدي في هذا . والأصح : أنه السِّلَفي بكسر ففتح .
وكما اشتهر هذا الوصف - في فهمنا - عن التحديد الذي أشرنا إليه من التزام منهج الصحابة والتابعين .
وجدير بالذكر أنه إلى جانب هذين اللفظين قد يحمل مصطلح أهل السنة معنى " السلف " كما نراه كثيرا في استعمالات ابن تيمية ، وقد يكـون أكثر اتساعا إذا أطلق في مقابل لفظ " الشيعة " ، ولكن الأغلب أن يتحدد مفهوم أهل السنة بأهل الحديث ومن تابعهم من الفقهاء .
رد مع اقتباس