تعقيب :
ولعل لنا في اعتبارهما مرحلتين فَهْما جعلنا نعتبر الحركة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب امتدادا وتجديدا لمرحلة ابن تيمية ، وذلك أننا نلحظ في الكتب التي صنفت في العقائد بعد الشيخ ابن عبد الوهاب ، نلحظ فيها تشابها كبيرا مع ما حملته إلينا رسائل ابن تيمية وفتاواه ، وهذا ليس بمستغرب ، بل هو الطبيعي ؛ لأن الهدف من هذه الحركة الإصلاحية إنما هو تجسيد عملي لما تغياه ابن تيمية في جهاده في عصره .
ولعل ما قدمناه من ظروف المرحلتين وتشابههما إلى حد كبير يصلح إجابة للسؤال الذي انطلق من ملاحظة المؤلفات ذات الاهتمام بالعقيدة السلفية ، فتفرق الفرق واضطراب الأحوال ووجود أصحاب الأهواء ، وانتشار البدع ، وادعاء المهدية والنبوة ، ثم فساد أحوال العلماء نتيجة المعصية المهدية وتسرب لعصم الأفكار من الترجمة إليهم في المرحلة الأولى ، وطلبا للدنيا ، وفقدانا لرسالة العلم ، وأمانة العالم في المرحلة الثانية ، وكذ الأولى .
كل هذا في جو مضطرب لا تقدم الدولة فيه عملها الأساس في الحفاظ على دينها ، هذا وغيره من أسباب جعلت العلماء المخلصين لدينهم وأمتهم
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 204)
يقدمون ما يستطيعون في باب خدمة عقيدة السلف الصالح ، إيمانا منهم بأن هذه الأمة لن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها ، وقد كان التزام الناس بالإسلام أول عهدهم به وزمن الرسول والراشدين من بعده ، سببا أساسيا في حضارة الأمة وريادتها الأمم الأخرى ، وبقدر ما انحلت رابطة الالتزام بين المسلمين والإسلام بقدر ما تقهقروا وصاروا فريسة لغيرهم ، لا عن قلة يحدث لهم ذلك ، ولكن مصداق قول الرسول الكريم : غثاء كغثاء السيل يوشك أن تداعى عليكم الأمم ، كما تداعى الأكلة على قصعتها . فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكن غثاء كغثاء السيل ولينزعن من صدور عدوكم المهابة وليقذفن في قلوبكم الوهن . قال قائل : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال - عليه الصلاة والسلام - : حب الدنيا وكراهية الموت .
والله المستعان وإليه المرجع والمآب .
|