هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
إعداد: زكريا حسيني محمد
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه. وبعد..
أخرج البخاري في صحيحه في حديث طويل عن عائشة في شأن هجرة أبيها (الصديق رضي الله عنه)
جاء فيه قولها رضي الله عنها: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: فِدَاءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذِنَ له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:
أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قل أُُذِنَ لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحِلَتيَّ هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بالثمن. قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعْنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق.
قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليالٍ،
يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِفٌ لَقِنٌ، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائتٍ،
فلا يسمع أمرًا يُكْتَادانِ به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حينَ يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رِسْلٍ وهو لبن منحتِهِمَا ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني الدِّيل،
وهو من بني عبد بن عَدِيٍّ هاديًا خِرِّيتًا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي،
وهو على دين كفار قريش، فَأَمِناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث،
وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل. {ح3905}.
وعن الغار أخرج البخاري في باب قوله تعالى:
ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا
{التوبة:40}
عن أنس قال حدثنا أبو بكر رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين،
قلت: يا رسول الله، لو أنَّ أحدهم رفع قدمه رآنا، قال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟.
وقال البخاري رحمه الله: قال ابن شهاب:
وأخبرني عبد الرحمن بن مالك الدلجي وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعْشُم أن
أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جُعْشُمٍ يقول:
"جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره،
فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة،
إني قد رأيت آنفًا أَسْوِدَةً بالساحل أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم،
ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا. ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء
أكمة فتحبسها عليَّ وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بِزُجِّهِ الأرض،
وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها،
فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام،
فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان،
فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم،
وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنِي ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا.
فسألته أن يكتب لي كتاب أمن.
فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير:
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام،
فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابَ بياضٍ.
وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه،
حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم
فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهودٍ على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبَصُرَ برسول ا
لله وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته:
يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة،
فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف،
وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول،
فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه
وسلم يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك،
فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة،
وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة،
وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هنا إن شاء الله المنزل".
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمِرْبَدِ يتخذه مسجدًا،
فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما،
ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول:
"هذا الحِمَالُ لا حِمَالَ خَيْبَرْ
هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وأطهر"
ويقول:
"اللهم إنَّ الأجر أجر الآخرة
فارحم الأنصار والمهاجرة
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يُسَمَّ لي. {ح3906}.
وأخرج البخاري في باب كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وَضَرٌ من صُفْرَةٍ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "مهيم يا عبد الرحمن؟" قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار، قال: "فما سقت فيها؟" فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". {ح3937}.