قصة غدير خم .. دراسة نقدية تحليلية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :-
تلبية لرغبة أحد الإخوة الأفاضل في كتابة موضوع يتحدث عن حادثة الغدير أو بالأحرى قصة غدير خُم ، والتي يتخذها الرافضة أساساً يعتمدون عليه في تشيعهم من جهة و في أحقية علي بالخلافة من جهة أخرى ، فأعطوا لهذه الحادثة من الأهمية ما لم يعطوه لغيرها من عصر النبوة ، حيث ألف أحد الروافض وهو عبد الحسين الأميني النجفي كتاباً طبع في أحد عشر مجلداً عن هذه الحادثة باسم
الغدير في الكتاب و السنة و الأدب
، كتبت هذا البحث المصغر .. والله من وراء القصد ..
بداية وقبل أن أبدأ أود أن انبه على شيء مهم وهو أنه الواجب علينا أن لا نصدق الرافضة في كل ما يقولون و كل ما يثيرون من شبه ، فهم قوم بهت .. قد طمس الله بصيرتهم كما طمس أبصارهم ، يستدلون بالأحداث الصحيحة و بالوقائع الثابتة لكن في غير مواضعها ، و لأغراض كثير يعلمها من عرفهم عن قرب أو حاورهم .. و قصة الغدير هذه هي إحدى الوسائل التي يستغلها الرافضة في الدس والتزييف ، و قد استخدم هؤلاء ، وسائل التالية للترويج لبدعتهم و لتشويه هذا التاريخ ، منها :-
1- الاختلاق و الكذب .
2- اختلاق الزيادة على الحادثة أو النقصان منها بقصد التشويه .
3- التأويل الباطل للأحداث .
4- إبراز المثالب و إخفاء المحاسن .
5- صناعة الأشعار لتأييد حوادث تاريخية .
6- وضع الكتب و الرسائل المزيفة .
7- وضع الخبر في غير سياقه حتى ينحرف عن معناه و مقصده . و للزيادة في معرفة هذه الوسائل أنظر : منهج كتابة التاريخ الإسلامي محمد بن صامل (ص557) .
غَديرُ خُم هو : موضع بين مكة و المدينة ، و هو واد عند الجحفة به غدير ، يقع شرق رابغ بما يقرب من (26) كيلاً ، و يسمونه اليوم الغربة ، و خم اسم رجل صباغ نسب إليه الغدير ، والغدير هو : مستنقع من ماء المطر . انظر : معجم البلدان (2/389) و على طريق الهجرة لعاتق البلادي ( ص 61 ) .
والآن نأتي إلى الأحداث التي سبقت هذه الحادثة ، لنتعرف جذور القصة ..
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب خلف خالد بن الوليد إلى اليمن ليخمّس الغنائم و يقبض الخُمس ، كما قال البخاري ، انظر : الفتح (8/65 ) ، فلما خمّس علي الغنائم ، كانت في الغنائم وصيفة هي أفضل ما في السبي ، فصارت في الخُمس ، ثم إن علياً خرج و رأسه مغطى وقد اغتسل ، فسألوه عن ذلك ، فأخبرهم أن الوصيفة التي كانت في السبي صارت له فتسرى بها ، فكره البعض ذلك منه ، وقدم بريدة بن الحصيب بكتاب خالد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، و كان ممن يبغض علياً فصدق على كتاب خالد الذي تضمن ما فعله علي ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : يا بريدة أتبغض علياً ؟ فقال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تبغضه فإنه له في الخُمس أكثر من ذلك . ذكره الإمام أحمد في المسند (5/350 ) قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير عبد الجليل بن عطية و هو ثقة وقد صرح بالسماع وفيه لين . مجمع الزوائد (9/127) ، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب عنه : صدوق يهم . ترجمة رقم (3747) و قال ابن حبان في الثقات (8/421) : يعتبر حديثه عند بيان السماع في خبره إذا رواه عن الثقات ، و كان دونه ثبت . قلت : وهذا منها ، وأخرجه البخاري في الصحيح مختصراً في كتاب المغازي . انظر الفتح (8/66 ) .
فلما كانت حجة الوداع ، رجع علي من اليمن ليدرك الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وساق معه الهدي ، ذكر مسلم في صحيحه برقم (1281) ، وقد تعجل علي ليلقى الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة ، واستخلف رجلاً من أصحابه على الجند ، فكسا ذلك الرجل الجند حللاً من البز الذي كان مع علي ، فلما دنا الجيش من مكة خرج علي ليلقاهم ، فإذا عليهم الحلل ، فقال لنائبه : ويلك ما هذا ؟! قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس ، قال : ويلك ، انزع قبل أن تنتهي بهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنزع الحلل و ردها إلى البز ، فأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم علي . ذكره ابن هشام في السيرة (4/603) و قال ابن كثير : هذا السياق أقرب من سياق البيهقي – الدلائل (5/398) - ، رغم أنه قال عن رواية البيهقي : هذا إسناد جيد على شرط النسائي . انظر : البداية والنهاية (5/95 ) و إسناد ابن هشام هو : قال محمد بن إسحاق و حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، قال : .. ، و هكذا نقله ابن كثير أيضاً ، والصحيح هو : يزيد بن طلحة عن يزيد بن ركانة . انظر : الجرح و التعديل (9/273 ) .
كما وأن أصحاب علي رضي الله عنه طلبوا منه أن يركبوا و يريحوا على إبل الصدقة بحجة أن بإبلهم خللاً و ضعفاً ، فأبى عليهم ذلك وقال : ( إنما لكم منها سهم كما للمسلمين ) ، فعندما ذهب إلى الحج سأل أصحابه خليفته ما كان علي منعهم إياه ، فوافق على ذلك ، فلما جاء عل عرف أن الإبل قد ركبت ن فذم خليفته ولامه ، و عد بعض أصحاب علي ذلك منه غلظة وتضييقاً ، فشكاه أبو سعيد الخدري إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا المسلك من علي ، فندم أبو سعيد على شكواه ، وقال : ( .. والله لا أذكره بسوء أبداً سراً ولا علانية ) . انظر : البيهقي في الدلائل (5/398-399) مطولاً ، وأحمد في المسند (3/86) مختصراً ، وأورد ابن كثير في البداية (5/120) رواية البيهقي وقال عنها : وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة .
فلما اشتكى الناس علياً قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال : أيها الناس ، لا تشكوا علياً ، فوالله إنه لأخشن في ذات الله – أو في سبيل الله – من أن يُشتكى . انظر : السيرة النبوية لابن هشام (4/603) ومسند الإمام أحمد (3/86 ) وإسناده حسن .
و قد ذكر أن هذه الخطبة كانت في غدير خُم أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، و مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة : من كنت مولاه فعلي مولاه . المسند (5/419) و فضائل الصحابة للإمام أحمد (2/572) و إسناده صحيح ، و المعجم الكبير للطبراني (4/173-174) و قال الهيثمي في المجمع (9/104) : رواه أحمد و الطبراني و رجال أحمد ثقات . قلت : فيه حنش بن الحارث بن لقيط النخعي ، قال عنه ابن حجر في التقريب ترجمة رقم (1575) : لا بأس به ، وقال الألباني رحمه الله : هذا إسناد جيد رجاله ثقات . انظر : السلسلة الصحيحة (4/340 ) .
و في رواية كما عند مسلم عن زيد بن أرقم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بماء يدعى خما ، بين مكة و المدينة . فقال : أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ربي ، و إني تارك فيكم ثقلين ، أولهما كتاب الله فيه الهدى و النور ، فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به ، فحث على كتاب الله و رغّب فيه ، ثم قال و أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، قالها ثلاثاً . صحيح مسلم (رقم 6175) .
و في رواية بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا أيها الناس إنه لم يبعث نبي قط إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله ، وإني أوشك أن أُدعى فأُجيب ، وإني تارك فيكم ما لن تضلوا بعده كتاب الله ، ثم قام وأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه . المعجم الكبير للطبراني (5/171-172 ) و قال الألباني رحمه الله : رجاله ثقات . السلسلة الصحيحة (4/335) .
و قد ورد خبر غدير خُم في زيادات عبد الله على مسند الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال : نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بواد يقال له وادي خم ، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير ، قال : فخطبنا و ظُلل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على شجرة سمرة من الشمس ، فقال : ألستم تعلمون ، ألستم تشهدون إني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى ، قال : فمن كنت مولاه فإن علياً مولاه ، اللهم عاد من عاداه ووال من والاه . المسند (4/372) والمعجم الكبير للطبراني (5/202 ) وقال الهيثمي في المجمع (9/104 ) : و فيه ميمون أبو عبد الله البصري وثقه ابن حبان ، و ضعفه جماعة ، و بقية رجاله ثقات . و قال محقق سير أعلام النبلاء (14/207) إسناده صحيح ، قال ابن حجر في التقريب ترجمة رقم (7051) عن ميمون : ضعيف ، من الرابعة . ورواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/563-596) و إسناده صحيح كما قال المحقق ، وابن ماجة في السنن )1/43) و الحاكم في المستدرك (3/110 ) والترمذي في السنن (5/297) و ابن أبي شيبة في المسند كما ذكره ابن حجر في المطالب العالية (4/60 ) وابن أبي عاصم في السنة (2/604-607) و الدولابي في الكنى والأسماء (2/61) و النسائي في الخصائص (ص 72) ، و ابن شيبة في المصنف (12/67-68) و البزار في كشف الأستار (3/190-191) ، ورواه ابن كثير في البداية (5/235) من عدة طرق ، قال في إحداها : ( تفرد به النسائي من هذا الوجه ، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : وهذا حديث صحيح ) ، وقال في أخرى (5/235) : من رواية أحمد : و هذا إسناد جيد ورجاله ثقات على شرط السنن . النظر البداية والنهاية (5/234-240 ) عن مناقشة روايات هذا الحديث . وقد جمع طرقه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة (4/330) .
قلت : وأول الحديث متواتر ، أعني قوله صلى الله عليه وسلم : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ، أما قوله : ( اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) فزيادة قوية الإسناد . انظر : البداية والنهاية (5/514) و قطف الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة للسيوطي ( ص 277) .
و نلاحظ أن خبر غدير خم قد نقله عدد من الرواة الشيعة ، فقد ورد من طريق حبة العرني . انظر : الكامل في ضعفاء الرجال (6/2222) و قد رواه عنه سلمة بن كهيل و نقله ابن عقدة من طريق حبة بإسناد ضعيف جداً . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة (1/372) .
و من طريق سليمان بن قرم ، انظر : الكامل في ضعفاء الرجال (3/1106-1107) .
و من طريق سلمة بن كهيل . انظر : فضائل الصحابة (2/613) و الكامل في ضعفاء الرجال (6/2222) و المستدرك للحاكم (3/109-110) .
و من طريق علي بن زيد بن جدعان . انظر : مسند الإمام أحمد (4/281) و سنن ابن ماجة (1/43) .
ومن طريق يزيد بن أبي زياد . انظر : مسند الإمام أحمد (1/119) و مسند أبي يعلى (1/428) وتاريخ بغداد (14/236) .
ومن طريق فطر بن خليفة . انظر : مسند الإمام أحمد (4/370) و فضائل الصحابة (2/682) و خصائص علي (ص 113) و الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (9/42) .
و من طريق جعفر بن سليمان الضبعي . انظر : الجامع الصحيح (5/632) و قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان ، و انظر المستدرك (3/110 ) .
ومن طريق عبد الرزاق . انظر : مصنف عبد الرزاق (15/225) مختصراً ، و فضال الصحابة (592) لكنه لم ينص على ذكر غدير خم .