اللغة العربية والعولمة
( اللغة والثقافة بين الأصالة والاغتراب )
الحلقة الأولى
د . عمر عبد الهادي عتيق
فلسطين \ جنين
اللغة والهوية
ينبغي أن نشير إلى أن أهمية اللغة لا تنحصر في الغاية التواصلية بين الناطقين باللسان العربي أو بالقول إنها وعاء الفكر العقائدي والثقافي أو أنها آلية تفكير وإبداع فحسب وإنما الخطورة في أهميتها أنها هوية تختزل ماضي الأمة بموروثها الحضاري والسيادي وتقترن قوتها بقوة أبنائها وتجسد حاضرها من خلال العلاقة الجدلية بين هوان أبنائها وضعفها وتؤشر إلى ماهية الغد ، إذ إن " الهوية ذلك الإحساس الداخلي المطمئن للإنسان على أنّه هو نفسه في الزمان والمكان وعلى أنّه منسجم مع نفسه باستمرار مهما تعددت واختلفت المكانات الاجتماعية وعلى أنّه معترف به بما هو عليه من طرف الآخرين الذين يمثلون المحيط المادي والاجتماعي والثقافي المحلي والإقليمي والدولي " (1) ولعل هذا الفهم للهوية اللغوية كان ملهما لمحمود درويش في جداريته حينما ربط بين ضياع اللغة والموت فهو يرى" أن الموت هو موت اللغة وعدم القدرة على النطق حين كتب على ورقة الطبيب لقد فقدت اللغة أي لم يبق مني شيء". (2) ويؤكد ذلك أيضاً الفيلسوف الألماني (فيخته) بقوله: (أينما توجد لغة مستقلة توجد أمة مستقلة لها الحق في تسيير شؤونها وإدارة حكمها) (3)ولا يتجاوز الواقع العربي السياسي صدى قول الفيلسوف ( فيخته )
وهذه العلاقة العضوية بين اللغة والهوية هي التي دفعت كرومر أثناء غزوه لمصر لوضع " خطة تعليمية تستهدف إبعاد العربية عن ميدان التعليم، ويستبدل بها لغة قومه"(4) وهي التي حفزت أقطاب الاستعمار على تفريغ اللغة العربيةاللغة القومية تشدّ الإنسان العربي إلى قومه، وتربة وطنه، وتربي فيه شخصيته القومية، ومشاعر العزة والانتماء. فكان إحياء اللغات الميّتة، وتشجيع انتشار اللهجات المحلية، وتعزيز استعمالها في الحياة العامة والرسمية، واتهام العربية
حول تعريف العولمة
ما زال المفكرون والسياسيون مختلفين على مفهوم العولمة بسبب اختلاف مشاربهم الثقافية وتباين دوافعهم الذاتية ويقتضي اتجاه البحث أن نحدد مفهوم العولمة الذي يتناغم مع التحديات التي تواجه واقع اللغة العربية ، ومن اجل تحديد المفهوم ينبغي أن نستبعد بعض المقولات التي تسعى إلى تسويق العولمة وان نحذر من المفاهيم الاغرائية ولهذا لا نطمئن إلى المنظور العام للعولمة على أنها " إكساب الشيء طابع العالمية, وما يشترك فيه كل الناس باعتباره مشكلا من أشكال توحد العالم المفضي إلى سعادة البشر" ( 6 ) لان الذين يقفون خلف برامج تسويق العولمة لا يضعون في أجندتهم السياسية والاقتصادية الأمن والغذاء لجميع البشر وإنما تسخير جميع البشر لسعادة فئة من البشرية تمتلك عوامل القوة المطلقة لفرض إرادتها من منظور مصالحها . ولا نجد سكينة بالقول " إنّها توحيد طريقة التفكير والنظر إلى الذات وإلى الأخر وإلى القيم" (7)، لان مفهوم الذات أو الأنا ينبغي أن ينطلق من الإرث الحضاري بعيدا عن معطيات الواقع التي يتحكم بها الآخر ، ولان مفهومنا للآخر ينبغي أن ينبع من فهمنا الخاص لا من رؤية الآخر لنفسه . ولا يهدئ من روعنا من يرى أن العولمة " لا تهدد الهوية أو الهويات الثقافية بالفناء أو التذويب بل تعيد تشكيلها أو تطويرها للتكيف مع العصر" (8)لان التشكيل آو التطوير أذا لم يستمد آلياته من مقومات الشخصية العربية
واعتمادا على المعطيات السياسية وما تفرزه من وقائع ثقافية ولغوية فان المفهوم الذي ينسجم مع الواقع الثقافي واللغوي هو أن العولمة " اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع أقوامها وكل من يعيش فيها، وتوحيد أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراق" (9) ولا يخفى أنها صبغة أمريكية لا تعترف بخصوصية الأطياف العقائدية إلا بقدر ما يخدم مصالحها العليا ولهذا دعت في غير مناسبة إلى تغيير الخطاب الديني في المناهج الدراسية الإسلامية ، ولا تقر بالتعددية الثقافية - التي تعد شرطا موضوعيا للتكامل الحضاري الإنساني – إلا بمقدار ما ينسجم مع مشروعها الثقافي الذي يخفي بريقه الإنساني مثاقفة سلبية ولا تحترم اختلاف الأجناس والأعراق ، وكيف يمكن أن تمتلك ثقافة احترام العرق الآخر وهي التي قامت على أنقاض عرق آخر وهو الهنود الحمر ؟ وما زال صدى عبارة ريتشارد نيكسون " إن الله مع أمريكا، إن الله يريد أن تقود أمريكا العالم" (10) يتردد في كل التصريحات الفرعونية للإدارة الأمريكية وعليه فان من اليسير أن نتفهم من يرى أن العولمة هي " الاستلاب الثقافي وتدمير الهوية الوطنية وأنبياء العولمة وفلاسفتها لا يكنّون سوى الاحتقار للثقافات الأخرى غير الغربية وهم يصفونها بأنها مناقضة للتقدم وللعلم(11) ولا نملك إلا التسليم بان العولمة " تغيير طرائق البشر وعقولهم بما ينسجم والأهداف الأميركية القائمة على احتكار السوق والتحكم بالعالم اقتصادياً وسياسياً وثقافياً من خلال مقولة: نحن نختار لك ودعنا نفكر نيابة عنك، واستسلم لأمرنا تكن في أمان من القتل." "( 12)
ومن اجل وضوح الرؤية في تلقي المفاهيم يحسن بنا أن نفرق بين العالمية والعولمة لان بعضهم يسعى إلى تسويق العولمة على أنها عالمية بحسن نية أو للتعمية بين المفهومين وما يحفزنا إلى التفريق بينهما أن تحديد مفهوم المصطلح أضحى مطلبا ثقافيا لان الخلط بين المفاهيم يؤدي حتما إلى حالة من التلوث الثقافي التي ينبغي علاجها والحذر من أعراضها" إذ تحمل المعاني الجديدة للعولمة شراسة القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية في أبشع صورها؛ في حين تحمل معاني العالمية الحوار الحضاري بين الثقافات، وتبادل النظرات والخبرات والإنجازات العلمية بما يعود بالفائدة والخير على البشرية جمعاء في فضاء المعرفة السيبراني الذي لا حدود له، والأكثر انفتاحاً وفهماً واعترافاً بالآخر وبقناعاته، وبخصوصيته، فالعالمية تؤالف بين البشر من خلال مفهوم أن الإنسان أخ الإنسان وأن ثقافات الشعوب، وعقولها تتلاقح فيما بينها، وتتفاعل من خلال الحوار والمثاقفة، وليس من خلال العدم والإلغاء" ( 13)
وما أكثر المداخل التي تتسرب منها المفاهيم بمسميات مختلفة ، فلا يخفى أن بعض المفاهيم حينما تقدم بمسمياتها الحقيقية فان المتلقي ينفر منها أما حينما تنتحل اسما آخر فقد يحدث اختلاف في موقف المتلقي فخطورة العولمة تكمن في أنها" تهاجم من كل اتجاه، وتملك استراتيجيات حاذقة، ووسائل تقنية هائلة، وتبدو مثل شبح لا يمكن تحديد موقعه، ومسار حركته بيسر. وبهذا فهي تختلف عن أنماط الغزو الثقافي التقليدية، والتي كان من الممكن رصدها بسهولة مع تعيين الأرض التي تنطلق منها واتجاهاتها، ومجالاتها الحيوية التي تعمل فيها.(14)
ويقتضي هدف البحث أن نتجاوز عن البعد السياسي للعولمة فلهذا البعد جهابذ ته الذين ما انفكوا يسوقون العولمة السياسية وفق رؤى مختلفة ومتناقضة وان نتعمد إغفال البعد الاقتصادي للعولمة فلهذا البعد كذلك أخصائيون لا يقل خلافهم في العولمة الاقتصادية عن خلاف أصحاب التيار السياسي وسنحرص على المحور الرئيس للبحث وهو علاقة البعد اللغوي والثقافي للعولمة باللغة العربية . <<<<<<<<<<<< يتبع الحلقة الثانية
--------------------------------------------------------------
هوامش البحث
والعولمة. دار الغرب للنشر والتوزيع، ص 13.)
اللغة العربية(الندوة السنوية لجمعية البحوث والدراسات العرب وتحديات المستقبل) منشورات اتحاد الكتاب العرب ،دمشق ،8_9 \ 2002 ،ص
اللغة العربية الصلة الحية بين حاضر الامة وتراثها الزاخر ،مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 102 السنة السادسة والعشرون - نيسان 2006 - ربيع الثاني 1427ص89
اللغة العربية. مطبوعات جامعة قسنطينة، ص 334)
والعولمة. مركز دراسات الوحدة العربية, يونيو 1929، بيروت، ص 44.
العربية نموذجا) مجلة اللغة العربية. المجلس الأعلى للغة العربية، ع 5 ، الجرائر 2001، ص 128.
من مقوماتها " لأن المستعمر أدرك أن بالقصور والعجز وعدم القدرة على مواكبة روح العصر" (5) وإذا لم تتوافق جينات التحسين والتطوير مع نسيج المصلحة القومية فان مقولة التكيف مع العصر ستذوب في المحلول الأمريكي . 2- 9 - عبيدو، سعيد اسماعيل : العولمة والعالم الإسلامي( الندوة السنوية لجمعية البحوث والدراسات العرب وتحديات المستقبل) منشورات اتحاد الكتاب العرب ،دمشق ،8_9 \ 2002 ص 12 10- موردات، ميخل : ترجمة : حامد فرزات:أمريكا المســتبدة_ الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم (العولمة)، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2001 ص 196 12 - حموي ،حسين: مخاطر العولمة على الدول الضعيفة أو المستضعفة في الأرض ـــ جريدة الأسبوع الأدبي العدد 883 تاريخ 15/11/2003 13- المرجع نفسه 14- رحيم، سعد :محمد العولمة وثقافة النسيان ـــ–العراق جريدة الأسبوع الأدبي العدد 877 تاريخ 4 \ 10 \ 2003 3- الحصري ،ساطع : ماهي القومية. دارالعلم للملايين، بيروت، بدون تاريخ، ص 56 4- الزركان، محمد علي: التحديات المعاصرة التي تواجه 11- إمام ،زكريا بشير : في مواجهة العولمة. عمان ،الأردن، 2000، ج،1 ص 4. 1- مسلم ،محمد: الهوية 2 - معروف،فوزي : أساليب المواجهة الفكرية_ نوافذ الدخول الى المستقبل _ (الندوة السنوية لجمعية البحوث والدراسات العرب وتحديات المستقبل) منشورات اتحاد الكتاب العرب ،دمشق ،8_9 \ 2002 ،ص 154 5- دهمان، أحمد: 6- بلعيد، صالح : محاضرات في قضايا 7- عتريس، طلال : العرب 8- الجيلالي ،حلام : أثر العولمة في اللسان الرسمي (