[align=center] اللغة العربية والعولمة ( الحلقة الثالثة)
واقع اللغة الانجليزية \\ واقع اللغة العربية بين الأنا والآخر ( الحلقة الثالثة ) د . عمر عتيق
ولما كانت اللغة الانجليزية هي اللغة المنافسة للغة العربية و يسعى أصحابها إلى تتويجها على عرش اللغات الأخرى لتكون اللغة الوحيدة للعلم والفكر والمعرفة فانه من المفيد أن نقف على واقع اللغة
يتمثل الهدف المستقبلي للعولمة بتحويل العالم إلى قرية كونية بمواصفات أمريكية ولا بد لهذه القرية من لغة مشتركة للتواصل التقني والثقافي "وإذا تحول العالم إلى لغة مشتركة فإن هذه اللغة
يجسد ما تقدم الإجراءات الوقائية والدفاعية التي اتخذتها الدول المشار إليها لحماية لغاتها القومية ومواجهة اللغة الانجليزية التي تسعى إلى بسط نفوذها في أوطان اللغات الأخرى ، فماذا نحن فاعلون تجاه لغتنا التي أصبح حماها مباحا في غير مكان من الوطن العربي وفي غير مجال ؟
ينبغي أن نعاين اللغة العربية من منظور الأنا من جهة بهدف الكشف عن المصا لحة الذاتية مع اللغة وما يعتريها من مواقف مشبعة بالجهل والتآمر والانسلاخ عن جسد اللغة الأم ومن منظور الآخر من جهة أخرى بهدف بيان موقف الآخر من اللغة العربية . واللافت في هذين المنظورين أن كليهما ينطوي على مفارقة ، فمعاينة اللغةالعربية من منظور الأنا تشكل ثالوثا ،ففريق يدعو إلى " التغريب والارتماء في أحضان اللغة الأجنبية الغربية، وحجّة أصحابها في ذلك أنّها اللغة المتطوِّرة، والحاملة للواء التقدّم والازدهار، والمحتوية للحضارة الراقية" (22) و " فريق الأصالة الذي يدافع عن لغة عصور الاحتجاج، وقد يتناول ويقبل بعصر احتجاج جديد في اللغة
وليت دعاة التغريب يقصرون شغفهم باللغة الانجليزية على السياقات التقنية والعلمية ولكننا نسمع في كثير من الأحيان ألفاظا ومصطلحات من أناس أذهانهم من العلم خواء ومن عموم الثقافة براء " إذ عمد الكثير من الأفراد وبعض المتحذلقين من المثقّفين في السنوات الأخيرة إلى دسّ المفردات والتراكيب الأجنبية في عربيتهم دون حاجّة ملحة أو ضرورة علمية أو فنيّة. إنّهم يفعلون ذلك تحذلقا أو إعلانا عن فوقية مصطنعة، أو إظهارا لاتِّساع الثقافة وتنوّعها تنوّع ما تكنّفوه من عناصر، لا يدري أكثرهم ما مصدرها، ولا يدركون معانيها الدقيقة، ولا يجيدون نطقها ؛ بل يمسخونها مسخا، إنّهم يلوِّكونها بألسنتهم، ويلوون أعناقها، فتخرج من أفواههم مغلوطة غير ذات نَسب صحيح بهذا الأصل أو ذاك" (25)ألا تحتاج هذه الفئة المتحذلقة إلى تشريح نفسي لمعرفة أسباب الاغتراب اللغوي والتمسح بأذيال الآخرين ؟ لماذا يستحسنون تلعثمهم بلغة دخيلة ويكرهون إجادتهم للغتهم الأصيلة ؟ وقد كتب الفرنسي بيرنارد كاسين، مؤسس حركة (أتاك)المضادة للعولمة، في جريدة (لوموند) الفرنسية أن "سيطرة اللغة الانجليزية موضة، وليست ضرورة". . (26)
ولا يخفى أن هذه الردة اللغوية تمثل تيار التقليد الأعمى الذي لا يرى إلا من خلال عيون الآخر وهو تيار بعيد عن التأثر الحضاري وان ادعى ذلك" وخاصة عندما ينظر أفراد هذه المجتمعات إلى الغرب باعتباره النموذج الحضاري الناجح. وإن التخلّف السيكولوجي يعبر عن نفسه لغوياً عبر تبنّي لغة الطرف القوي المتغلب ومحاولة تقليده.(27) ولا شك أن التبعية اللغوية تؤدي إلى تبعية سلوكية في تجليات الحياة اليومية فيغدو دعاة التغريب والتبعية صورة كاريكاتورية تثير السخط أو السخرية أو الشفقة ، فلسانهم يتعثر بين المحصول اللغوي الأجنبي الهزيل والمخزون اللغوي القومي الوافر ، ونمط معيشتهم من حيث المأكل والملبس والمشرب يتأرجح بين صناعة الآخر وثقافة الفلكلور القومي ويؤدي هذا التعثر والتأرجح إلى انفصام لغوي وثقافي " وأخطر ما في هذا الشعور بالدونية هو التطاول على خصائص الشخصية القومية والانحياز إلى ثقافة الاستهلاك، ثقافة الجينز والهمبرغر والجنس الرخيص وذلك ضمن التوحيد النمطي للثقافة العالمية: التلفزيون الأمريكي، الموسيقى الأمريكية، الطعام الأمريكي، اللباس الأمريكي، الأفلام الأمريكية، عالم والت ديزني.(28)"
فلو تاملنا الرجال والنساء والأولاد الذين يرتدون قمصاناً من كاليفورنيا وقبعات تكساسية وكسكيت لاعبي البيسبول وقمصان تحمل علامة إحدى الجامعات الأمريكية أو برمودا من فلوريدا سنحصل على صورة دقيقة عن خضوع الكرة الأرضية لقواعد اللباس الأمريكية. (29)
وهؤلاء المتحذلقون لا يبادرون إلى قطع صلة الرحم اللغوية فحسب وإنما ينزلقون إلى هاوية الفكر لان محاولة الفصل بين اللغة والفكر محكوم عليها بالفشل إذ إن " كلّ محاولة تهدف إلى اعتبار اللغة شيئاً يمكن قياسه من الخارج من دون نظرة داخلية بالفكر إنما تبوء بالفشل وليست اللغة رصفاً من الألفاظ ولا جمعاً لمفردات دون وعي أو انتباه. اللغة "قضايا" مفيدة دالة، والقضية "حكم" ومتى قلنا "بالحكم" فقد قلنا بالربط الفكري. (30) وماذا سيقول هؤلاء إذا سمعوا أن " هيئة الإذاعة البريطانية قد رفضت إذاعة برنامج (شارع السمسم) الذي أنتجه الأمريكيون لأنه برأيها سيحمل إلى أطفال بريطانيا قيماً غريبة عنهم...( 31)
أما فريق الأصالة فقد وعوا أمرين ، الأول : خصوبة اللغة وقدرتها على التصدي للزحف اللغوي الأجنبي وقد أثبتت قدراتها في كثير من المحطات التاريخية التي حاولت فيها لغات المستعمرين على أرض اللغة الأم ولغات القوى الخارجية عبر وسائل عديدة أن تكون بديلا عن اللغة الأم " ولقد دلت العربية خلال قرون طويلة أنها صاحبة مناعة تحميها من التأثيرات الغريبة عن خصائصها الموروثة وذلك لأحكام "نظامها ومتانته، فلم تسمح للفظ الغريب أن يدخل الخلل على نظامها، والفساد على قواعدها، ولذلك صهرته وغيرت معالمه حين قبلته"( 32)، كما أن خصوبتها وقدرتها على التجدد والتوليد ينبعان من ذاتها مما يكسبها صفة الديمومة والقدرة على المواجهة إذ إنها" تتميز عن غيرها من اللغات اللاتينية كونها لغة ترد إلى ميزان صرفي، فهي نتيجة لذلك تتميز بالتجدد، إنها لغة اشتقاقية، أمّا اللغات الأخرى فهي تركيبية ذلك لأن اللغات الهندية الأوربية هي لغات لا تعتمد كثيرا على الاشتقاق، وإنما تعتمد بالدرجة الأولى على ظاهرة التركيب، أي تركيب كلمتين أو أكثر(33) . والأمر الثاني : براءة اللغة من العجز والتقصير في مجالات العلوم التطبيقية ، لان التقصير ناجم عن أهل اللغة لا عن اللغة" وما أكثر الكتب العربية التي غزت أوربا وعلمتها ودربتها على البحث والتجربة. ففي الطب عرفت أوروبا كتاب القانون لابن سينا، وكتاب الحاوي لأبي بكر الرازي، ومفردات ابن البيطار في الأدوية. وفي الكيمياء عرفت أوروبا رسائل جابر بن حيان، وفي الرياضيات عرفت كتاب الخوارزمي، حساب الجبر والمقابلة" وفي الجغرافية عرفت كتاب "نزهة المشتاق لاختراق الآفاق للشريف الإدريسي".( 34) وما زلنا نسمع عن تأثير الحضارة العربية الإسلامية على النهضة الأوروبية من أفواه الأوروبيين أنفسهم ونقرأ في بعض مصنفاتهم التي تتحرى موضوعية البحث والصدق التاريخي عن النبض الحضاري العربي في قلب الحضارة الغربية ، في حين نسمع من أفواه عربية ونقرأ أوراقا عربية صفراء عن التخلف والجهل العربيين ، وكأن صدى بل صديد نظرية العرق لدى (هيبولت تين ) يملأ أسماعهم ويلوث وجدانهم.
وكما يقول د. محي الدين صابر فان اللغة العربية أصبحت " لعدة قرون في التاريخ الوسيط هي اللغة العالمية الأولى لغة الفكر والعلم والاقتصاد ، وحرّر الحرف العربي عشرات اللغات غير المكتوبة وأدخلها عالم التدوين ، وتعايشت الثقافة العربية الإسلامية مع ثقافات الشعوب التي ارتبطت معها بالعقيدة ولم تحاول طمسها أو استلابها ، ولكنها تعاملت معها أخذا وعطاء فأغنتها واعتنت بها وقبلت دون تحيّز ولا تمييز من استطاع أن يضيف إلي قدرتها بل إنها كرمت ذلك وشجعت عليه " (35 )
إن العلاقة بين قوة اللغة وقوة أبنائها علاقة جدلية ، فحينما كانت الأمة العربية تقود موكب النفوذ السياسي الذي هز عروش امبروطوريات عديدة وكانت علومها منارة تهتدي بها الشعوب الأخرى وكان فكرها نبراسا يضيء عقول الآخرين ، كانت اللغةالعربية تعتلي عرشها فيفاخر بها أبناؤها ويقبل على تعلمها غير أبنائها ولكن حينما أسقط القرار السياسي من أيدي العرب وأصبحوا لا يملكون إلا الدوران في فلك الآخرين أصبحت اللغة عبئا على أبنائها وهدفا سائغا لطغيان اللغات الأخرى وبخاصة الانجليزية ومن المفيد أن نستحضر ما قاله كمال بشر : " كلّما حرَص أهلها على إمدادها بالزاد، وكلما ماجت البيئة المعيّنة بالنشاط العلمي والثقافي، نهضت اللغة، استجابت لهذا النشاط، وأخذت في استغلال طاقتها، وتنمية ثروتها، وتعميق جوانبها. ومن ثمَّ تستطيع أن تُمِدّ هؤلاء وأولئك بطِلْبَتهم من الوسائل اللغوية اللازمة للتعبير عن علومهم وفنونهم، وكلما جَمُد التفكير العلمي وتخلّف النشاط الثقافي ظلّت اللغة في موقعها جامدة، ولا تبدي حراكا ولا تقدِّم زادا ؛ لأنّها بذلك قد فقدت عوامل النمو، وحُرمت من عناصر النضج الفني " (36) ولا يعقل أن نكسر مرآة لأن الصور التي تعكسها مشوهة أو قبيحة ونهرع إلى مرايا الآخرين لجمال ما تعكسه من صور لأن التشويه من تقصيرنا والقبح من عقوقنا للغتنا ، أما إذا هرعنا إلى مرايا الآخرين فلن نرى صورتنا بل سنرى مسخا مشوها لان لغة الآخرين لا تعكس شخصية الأنا . فاللغة "منزل الكائن البشري، ومرآة فكره، يلجأ إليها لتأكيد وجوده، وينطلق بها لتحقيق رغباته، ولكنّ المنازل تغنى بسكانها، والمرايا تصفو وتجمل بالعيون الناظرة إليها، والوجوه المصورة عليها، فإذا هاجر السكان، أو ماتوا، خلت المنازل، وافتقر غناها، فهم روحها التي بها تحيا" (37)
ولا تهزم لغة إذا انتصر أهلها ، إذ إن عوامل الهزيمة أو الفناء لا تكمن في جينات اللغة ، وقد يحدث تطور دلالي لحزمة من الألفاظ وقد تموت بعض الألفاظ لأسباب اجتماعية وتحيا ألفاظ أخرى تقتضيها مستجدات فكرية أو اجتماعية ، أما أن تعطل لغة ما وتسلب من مقوماتها بسبب العامل الزمني وما يرافقه من تقدم علمي وتقني فهذا أمر لا ينسجم مع حقيقة التطور لان " اللغة لا تحيا ولا تموت بنفسها، وإنما يلحقها هذا الوجه أو ذاك بحسب الظروف والملابسات التي تحيط بها، فإن كانت الظروف فاعلة غنية بالنشاط العلمي والثقافي والفكري، كان للغة استجابتها الفورية ورد فعلها القوي تعبيراً عن هذه الظروف وأمارة ما يموج به المجتمع من ألوان النشاط الإنساني، وإن حرمت اللغة من هذا التفاعل ظلت على حالها وقدمت للجاهلين فرصة وصمها بالتخلف والجمود، في حين أن قومها هم الجامدون المتخلفون"(38) وإذا كان الواقفون في الاتجاه المعاكس للتيار اللغوي القومي لا يحسنون الاستماع إلى شهادة الأنا والى صوت الثقافة القومية ظنا منهم أن الأنا لا يصدر منها إلا التعصب فليستمعوا إلى (جورج فاندريس) بقوله : (إننا لا نعلم إطلاقاً لغة قصرت عن خدمة إنسان عنده فكرة يريد التعبير عنها، فلا ننصت إلى أولئك المؤلفين العاجزين الذين يحمّلون لغاتهم مسؤولية النقص الذي في مؤلفاتهم لأنهم هم المسؤولون، على وجه العموم عن هذا النقص)(39)
إن واقع اللغة يصطبغ بتجليات الصراع بين الأنا والآخر فحينما يضعف الإحساس بالأنا أمام تحديات الآخر فان الضعف يتسرب إلى اللغة إذ لا يمكن الجمع بين التنازل عن الهوية اللغوية واحترام الذات ولهذا فان العامل الحاسم بل العامل الوحيد في تحديد الانتماء القومي هو اللغة " فاللغة العربية مرتبطة ارتباطاً مصيرياً وحتمياً بأبنائها. فعندما كان العرب في عصورهم الذهبية، أغنت اللغة العربية العالم بالعلوم والمعارف، وأثبتت قدرتها على الانتشار والتوسع والاستيعاب والتواصل الفكري الإنساني. ولكنّ الفرد العربيّ يعيش اليوم أزمة هروب من الذات، وينغمس في حالة تغريب عن أصالته ووجوده، فانعكست الأزمة سلباً على الواقع اللغوي، ووصمت اللغة بالعجز والقصور عن مواكبة التطور العلميّ والحضاري" (40) "
ولو تأملنا صفحة مشرقة من أسفار أمجاد العرب المسلمين في أندلس الأمس لتجسدت لدينا العلاقة الجدلية بين اللغة وأبنائها ، فحينما كان العرب يملكون زمام السياسة انقادت لهم الأمم ، وحينما كان العقل العربي ينتج أشكال العلوم الإنسانية والتطبيقية كانت حواضر الأندلس منهلا ثقافيا يتوارد عليه الأوروبيون وقد كتب احد أساقفة قرطبة يقول:" كثيرون من أبناء ديني يقرؤون أشعار العرب وأساطيرهم، ويدرسون ما كتبه علماء الدين وفلاسفة المسلمين، لا ليخرجوا عن دينهم، وإنما ليتعلموا كيف يكتبون اللغة العربيةاللغة والأدب العربيين، فهم يقرؤون ويدرسون بحماسة بالغة الكتّب العربية، ويدفعون أموالهم في اقتناء المكتبات ويتحدّثون في كل مكان بأن الأدب العربي جدير بالدراسة والاهتمام. وإذا حدَّثهم أحد عن الكتب المسيحية أجابوه بلا اكتراث: ( بأنّ هذه الكتب تافهة لا تستحق اهتمامهم ). يا للهول! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم، ولن تجد بين الألف منهم واحداً يستطيع كتابة خطاب باللغة اللاتينية، بينما تجد بينهم عدداً كبيراً لا يحصى يتكلّم العربية بطلاقة ويقرض الشعر أحسن من العرب أنفسهم "(41)
أما معاينة اللغة العربية من منظور الآخر ففيها مفارقة ، فقد أثنى بعض المفكرين الغربيين على اللغة العربية وخلعوا عليها أوصافا في حين بخل بعض أصحابها عن وصفها كما وصفها الآخرون . ولا ريب أن الدرس الموضوعي للغة العربية قادهم إلى الثناء عليها ، فقد ابدوا إعجابهم بظاهرة الفروق اللغوية الدقيقة ( الترادف ) كما في قول نولدكه : " إنه لا بد من أن يزداد تعجب المرء من وفرة مفردات العربية، عندما يعرف أن علاقات المعيشة لدى العرب بسيطة جدا. وبلدهم ذو شكل واحد، ولكنهم داخل هذه الدائرة يرمزون للفرق الدقيق في المعنى بكلمة خاصة(42)ونوه جورج سارنوت إلى اثر القران الكريم على اللغة العربية بقوله : " ولغة القرآن على اعتبار أنها لغة العرب كانت بهذا التجديد كاملة، .............وهكذا يساعد القرآن على رفع اللغة العربية إلى مقام المثل الأعلى في التعبير عن المقاصد"(43 )
وعبر ارنست رينان عن إعجابه بالانتشار الجغرافي للغة العربيةاللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء، فبدأت فجأة في غاية الكمال، سلسة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها إلى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة، من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمّة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغةاللغة العربية قوتها في القرون الماضية، وتستطيع هذه اللغة اليوم بفضل ثراء أصلها التاريخي، ولما اكتسبته من الظواهر الجديدة مثل كثرة المصطلحات العلمية والفنية الجديدة أن تساير التطور في جميع مراحله ومجالاته)( 45)
ويتمثل الطرف الثاني للمفارقة في منظور الآخر للغة العربية بجملة من الآراء التي حولت مزايا اللغة إلى عيوب ، فقد زعم" تشوبي" أن عجز اللغة ناجم عن نظامها النحوي وخاصية الترادف في قوله : " إنّ اللغة العربية غير قادرة على استيعاب الأفكار المجرّدة، وإن هي فعلت ذلك فمن الصعب استخدام اللغة للتعبير عن ذلك، نظرا للطبيعة الصارمة للنحو العربي. فوجود مئات المترادفات، ومستويين لغويين، والغموض، يؤدِّي إلى الحدّ من المرونة أو الليونة اللغوية، ثم الفكرية في عمليه التعبير والصيّاغة"(46)وشكك " لافين" بقدرة اللغة على التفكير المنطقي بسبب نظامها الصرفي وادَّعى "باتاي Patai" أنّ العربيّة تفتقر إلى نظام تفصيلي للزمن في الفعل العربي مغاير للزمن في اللغات الأوربي. (47)
______________________________________
الهوامش
اللغةالعربية في ظل العولمة. مجلة اللغة العربية، المجلس الأعلى للغة العربية ، ع 2 ، الجزائر ، 1999 ص 75 )
العربية وعصر المعلومات. الكويت عالم المعرفة، ديسمبر2001، ص 273
اللغة العربية والعولمة في ضوء النحو العربي والمنطق الرياضي .مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب- دمشق العدد 102 نيسان 2006 ربيع ثاني 1427 ص 99
اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم. ص37) "
اللغة والفكر.مهد البحوث والدراسات العربية. القاهرة، 1967، ص 20
اللغة وخصائص العربية. ط6، دار الفكر ، بيروت ، 1975 ص 297)
اللغة
العربية المعاصرة . المكتبة العصرية ، ط 2 ، بيروت،1987، ص 30.
اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم . ص 223 – 224
اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم . ص 54 وانظر: باطاهر: بن عيسى :الدور الحضاري للعربية في عصر العولمة . ، ط1 ، الشارقة ، 2001 ، ص 38
اللغة : ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ص 421.
العربية والعولمة في ضوء النحو العربي والمنطق الرياضي. ص 100
اللغة العربية والوعي القومي. مركز دراسات الوحدة العربية، أبريل 1984، ص 291
اللغة العربية بين حماتها وخصومها. مطبعة الرسالة، بيروت ص 25
العربية. عالم الفكر، المجلد الثامن والعشرون، ع3، يناير- مارس 2000، ص 12
الانجليزية وعلى جهود أصحابها وترحيب تابعيها وتصفيق محبيها وتوجس القابضين على لغتهم في زمن الجحيم الأمريكي . ستكون الإنجليزية بطبيعة الحال وهي لغة الاقتصاد والبحث والتكنولوجيا وإذا كان يتحرك بمعايير مشتركة في مجال الأمان والنوعية... فستكون هذه المعايير أمريكية... أما القيم فتكون قيما يرتاح لها الأمريكيون... هذه ليست مجرد تطلعات لا جدوى منها فاللغة الإنجليزية تربط العالم في مجالات الاتصالات والمواصلات" (20) واللافت في انتشار الانجليزية هو سيطرتها على الشبكة العنكبوتية " فحسب الإحصاءات الأخيرة نجد أن 88 بالمائة من معطيات الإنترنيت تبث باللغة الإنجليزية مقابل 9 بالمائة بالألمانية و2 بالمائة بالفرنسية و7 بالمائة يوزع على باقي اللغات"( 21) مصطلحا ومعجما... ويوجد إلى جانب الفريقين طائفة ثالثة تؤثر التوفيق والاعتدال، وتنادي بالمصالحة بين الماضي والحاضر وتصرُّ على التمسّك بالهوية والأصالة، دون أن تنسى أنّها تعيش في عصر العلم والحاسوب والصورة، وغير ذلك من منتجات التكنولوجيا"(23) أما الفريق الأول – دعاة التغريب اللغوي والثقافي – فهم نتاج الشعور بالدونية أمام التفوق التقني للآخر وهم الذين يجهدون أنفسهم لإخفاء عقدة النقص بعباءة الآخر وهم الذين تخلوا عن الموروث الحضاري والثقافي"و مما لا شك فيه أنّ العولمة تجد طريقها في مجتمعات مفرَّغة من الأصالة والجذور التاريخيّة؛ لأنَّ المخزون الثقافي لهذه المجموعات ضحلٌ، ولا يمكنه تسخير الفكر العالمي لمصلحته القومية، بالتفاعل الصحيح في مختبرات وطنية سليمة من الشوائب والتشويش.( 24) مستخدمين الأساليب البلاغية. أين نجد اليوم مسيحّياً عادياً يقرأ النصوص المقدسة باللغة اللاتينية؟ إن كلّ الشباب النابه منصرف الآن إلى تعلم بقوله : " من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره، انتشار مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغيير يذكر، حتى إنه لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة، ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى..." (44) وعن هذا الموضوع يقول الدكتور شرباطوف (أكبر المستشرقين الروس): (ولقد أظهرت 20 - دريزيز ،دانييل: يا عولمي العالم اتحدوا، ترجمة عبد السلام رضوان، مجلةالثقافة العالمية ، ع 85 ديسمبر ، 1997 ، الكويت ، ص 39 21 - عمراني ،عبد المجيد : نحو منظور جديد لتدعيم وتطوير 22- علي، نبيل : الثقافة 23- نقوري، إدريس : المصطلح العلمي بين التأهيل والتجديد، مجلة اللسان العربي، ع 46، ص23 24- ناصر، مها خير بك: 25- بشر ،كمال: 26 - صالح ،محمد علي: حرب اللغات. جريدة الشرق الاوسط الجمعـة 09 ربيـع الاول 1427 هـ 7 ابريل 2006 العدد 9992 27 – الشوفي، نزيه: الثقافة الهدامة والإعلام الأسود من هيروشيما إلى بغداد ومن خراب الروح إلى العولمة. منشورات اتحاد الكتاب العرب 2005 ص 21 28- الملحم، عدنان: التحدي التكنلوجي والمعلوماتي الندوة السنوية لجمعية البحوث والدراسات العرب وتحديات المستقبل) منشورات اتحاد الكتاب العرب ،دمشق ،8_9 \ 2002 ص 337 29- انظر: موردات، ميخل : ترجمة : حامد فرزات:أمريكا المســتبدة_ الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم (العولمة)، ص 187 30- أمين ،عثمان : في 31- محمود ،حواس: الثقافة والأخلاق والتحدي التكنولوجي. (ص 252) 32- انظر المبارك، محمد : فقه 33- مصايف ،محمد : في الثورة والتعريب. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الثانية ، 1981 ص 85 34- الزركان ،محمد علي: التحديات المعاصرة التي تواجه العربية، ص 123 35- صابر ،محي الدين : من قضايا الثقافة 36- بشر ، كمال : 37- علي ،أسعد: تهذيب المقدِّمة اللغوية للعلايلي. دار السؤال للطباعة والنشر ، دمشق ، ط 3 ، 1985 ، ص 41 38- بشر ، كمال : 39- 40- ناصر، مها خير بك :اللغة 41- هونكه، زيغريد: شمس العرب تسطع على الغرب. نقله عن الألمانية : فاروق بيضون وكمال الدسوقي ، منشورات المكتب التجاري ، بيروت ، 1964 ص 529 42- سمدون حمادي و(آخرون) : 43- عبد الرحيم، عبد الجليل لغة القرآن الكريم ، مكتبة الرسالة الحديثة، عمّان 1981 ص 585 44- الجندي، أنور: 45- من حوار أجري معه أثناء زيارته للجزائر، منشور بجريدة الشعب في 18/12/1971 46- حمد، عبد الله حامد : فرضية الحتمية اللغوية واللغة 47- انظر : المرجع نفسه ص 13
[/align]
|