الأخوة الكرام سلام الله عليكم ورحمته وبركاته،
أتابع إن شاء الله إحكام آيات القرآن وما يدعيه الجهلة بمعارضته جهلهم أو إغراضهم والذي يسمونه علومهم، وساتعرض لآية من القرآن دارت حولها أيضا الأقاويل ومن بعض المسلمين وليس قولي هنا للترجيح أو النفي وإنما لأخذ الآيات إلى سياقها الظاهر من لغتها فأنا أجد أن اللغة والمعارف والتشريعات يصنعون مثلث الإحكام في القرآن على هدف من نزوله وبراهين على صحته، وأن لهؤلاء الثلاثة باطن يستدعي الإستنباط، ولكنه استنباط خاص بالعلماء من المؤمنين وأسأل الله العلم ولا أدعي أني منهم، فإن لم يظهر الباطن لا يصلح أو يرجى إلا للمؤمنين إذ أن الكافرون يكفرون بما هو ظاهر من الآيات فماذا يصنعون مع بواطنها؟، أنا لست ماهر باللغة أو محيط بكل المعارف أو فقيه بالتشريعات ولكني اتبع منهج الإحكام على منطق الشمول لما يصح فهمه من الإستخدامات، والآن إلى قول الله عز وجل،
("أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ")،
والله لو أن تلك الآية وحدها نزلت لكفت لإيمان من في الأرض جميعا ولكن صدق الله قوله في الظالمين ("وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ")، وما كان استدلال البعض من المسلمين بتلك الآية على صحة الإسلام ومضاهات أحد مفاهيمها مع نظرية الإنفجار العظيم أو الكبير التي تتردد الآن في أوساط الماديين إلا كبسط اليد إلى الماء، فكلما توصل جهد علماء أي من العصور من غير المسلمين إلى أي معرفة ووجدها بعض المسلمين توافق القرآن أنكرها عليهم غيرهم بحجة لو أن القرآن يقصدها لتوصل إليها المسلمون أولا، فتستخرج أمهات الكتب وينقب عن التفاسير لضحض ما قيل، والعجيب أنه إذا قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم قالوا أخذه عن أحد أو علمه بشر وإذا علموه بأنفسهم ووجدوه عنده قالوا لما لم يصرح به لو كان يقصده!!، فاستشهدوا بحال المسلمين على القرآن بينما القرآن شاهد على الجميع، وما وجد غير المسلمين من حق يوافق قول قرآن المسلمين إلا لتصديق قول الله عز وجل ("سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ")،
وعودة إلى الآية وما أثير حولها، فاستشهاد المنكرين ببعض التفاسير التي تسير وفق أهوائهم وإغفالهم ما يقابلها وإن جاءت عن نفس مصادرها، يؤكد تعمد اللغو وليس البحث عن الحقيقة ومثال ذلك قول بن كثير رحمه الله في تفسير تلك الآية عن بن عباس رضي الله عنه
"وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة ، حدثنا حاتم ، عن حمزة بن أبي محمد ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر; أن رجلا أتاه يسأله عن السماوات والأرض ( كانتا رتقا ففتقناهما ) ؟ . قال : اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ، ثم تعال فأخبرني بما قال لك . قال : فذهب إلى ابن عباس فسأله . فقال ابن عباس : نعم ، كانت السماوات رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت . فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر ، وفتق هذه بالنبات . فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره ، فقال ابن عمر : الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علما ، صدق - هكذا كانت . قال ابن عمر : قد كنت أقول : ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن ، فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علما"،
فتطاير المنكرون هذا القول على أن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات وتعمدوا إغفال قول بن كثير نفسه في تفسيره للآية
"ألم يروا ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ) أي : كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم ، بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر ، ففتق هذه من هذه . فجعل السماوات سبعا ، والأرض سبعا ، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء ، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض; ولهذا قال : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) أي : وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا ، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء"
فكلام بن كثير بأن الجميع كان متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم ومادام هناك فصل بالهواء بين السماء والأرض فكان هناك إلتصاق،
ولكن هل يتعارض قول بن كثير مع ما قاله بن عباس؟، للحقيقة لا يتعارضان وكلاهما صحيح، وهذا وجه رد الشبهة في قول المنكرين لماذا يوجه الله الكافرون لرؤية ما لم يكن متاح رؤيته لهم، فقول بن عباس هو رؤية أهل زمانه وقول بن كثير رؤية أهل زماننا وفي كلا الرؤيتين آية، أنا هنا لا أرجح قول القائلين بموافقة القرآن لنظرية الإنفجار الكبير أو العظيم على علوم زماننا فما كنت لأحكم على القرآن بعلوم البشر ولكن أتابع صحيح المفهوم على الاستخدام من قول القرآن فإن صح قول النظرية للمفهوم منه صحت هي وليس العكس وما أراها إلا موافقة له وإن تخلى عنها قائليها، فهي تتوافق وقول الله عز وجل ("وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ")، فرفع السماء كان عن الأرض وكان لازما لخلق الحياة عليها فالفتق يأتي في الشيء وعنه،
والآن إلى جزء الآية الثاني فلا أدري كيف يدفعه المنكرون وقد أعلنها القرآن صريحة بأن الله جعل من الماء كل شيء حي، فلم يتسائلوا للحظة بعيدا عن الحقيقة الملموسة كيف لرجل قطن الصحراء وأكثر ما اتهموه به أنه اخذ عن علم أهل زمانه تعلما أو ترحالا، أن يجعل دينه ودعوته وكل من آمنوا به بعده تحت وطأة التحقق في كل مكان وزمان من تلك الآية؟ وها هو الزمان يتعاقب والأماكن تتبدل وتتزايد وقد اكتشفت من بعده بلاد لم تعرف في زمنه وصعد الإنساء إلى الفضاء، ووطأت أرضا حارة وأخرى متجمدة ثلجية فلم توجد حياة إلا وعمادها الماء وإن لم يوجد الماء لم يوجد دليل على الحياة، والآن سيخرج علينا من يقول بإمكاني قول كذا فلا يخرج عن الحقيقة في كل زمان ومكان فنقول له قل كما شئت ولكن ائتي بشيء لم يخبر عنه الله ثم احيا لترى ثبات صحته بعد مائة عام فقط إن استطعت فإن لم تفعل فحديثك ضرب من الهزيان،
|