وحفظُ الحديثِ مما يُذْكَر! <?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o:p></o:p> لمّا وَرَدَ أبو الفضل الهَمَذَانيّ الأديبُ نَيسابور، تعصَّبوا له، ولُقّب بديع الزَّمان، وأُعجِبَ بنفسهِ، إذْ كَانَ يحفظُ المائة بيتٍ إذا أنشدتْ بين يديهِ مرَّة، ويُنْشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة فأنكرَ على النَّاسِ قولهَم: فلانُ الحافظُ في الحديثِ، ثمَّ قَالَ: وحفظُ الحديثِ مما يُذْكَر!.<o:p></o:p>
فسمِعَ بهِ الحاكمُ ابنُ البَيِّع<SUP>(<SUP>[1]</SUP>)</SUP> فوجَّه إليه بجُزءٍ، وأجلَّه جمعةً في حِفظهِ، فردَّ إليه الجزءَ بعدَ الجمعة، وَقَالَ: مَنْ يحفظُ هذا؟ محمدُ بنُ فلان، وجعفر بن فلان عَنْ فلان أساميُّ مختلفةٌ وألفاظٌ متباينة.<o:p></o:p>
فَقَالَ له الحاكمُ: فاعرفْ نفسَك، واعلم أنَّّ حفظَ هذا أضيقُ مما أنتَ فيهِ<SUP>(<SUP>[2]</SUP>)</SUP>. <o:p></o:p>
مِنْ أحفظِ النَّاس <o:p></o:p> قَالَ مَسْلمةُ بنُ القَاسم:<o:p></o:p>
كان العُقَيْليُّ<SUP>(<SUP>[3]</SUP>)</SUP> جليلَ القدْر، عظيمَ الخَطَر، ما رأيتُ مثلَه، وكان كثيرَ التصانيف، فكان من أتاه من المحدِّثين، قَالَ: اقرأْ مِنْ كِتَابكَ، ولا يخْرِجُ أصلَه، قَالَ: فتكَّلمْنَا في ذلك.<o:p></o:p>
وقُلْنَا: إمَّا أنْ يكونَ من أحفظِ النَّاس، وإمَّا أنْ يكونَ مِنْ أكذبِ النَّاس، فاجتَمعنا فاتَّفقنَا على أنْ نكتبَ له أحاديثَ من روايتهِ ونزيدُ فيها وننقصُ، فأتيناهُ لنمتَحِنَه، فَقَالَ لي: اقرأْ فقرأتُها عليه.<o:p></o:p>
فلما أتيتُ بالزيادةِ والنقصِ فَطِنَ لذلكَ، فأخذَ مني الكِتَاب، وأَخَذَ القلمَ، فأصلحَها مِنْ حفظه فانصرفنا مِنْ عنده، وقد طابتْ نفوسُنا، وعَلِمنَا أنَّه من أحفظِ النَّاس<SUP>(<SUP>[4]</SUP>)</SUP>.<o:p></o:p>
<HR align=right width="33%" SIZE=1> ([1])هو: محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوريّ (312-405).<o:p></o:p>
ولا يخفى على المتخصصين في الحديث أنّ الحاكم من كبار أئمة الحديث في زمانه وكانت الرحلة إليه، ولكن مما يعجب منه الباحث كثرة الأوهام في مستدرك الحاكم، ويقوى العجب عند الموازنة بين المستدرك من جهة وبين بقية كتبه-كمعرفة علوم الحديث، والمدخل إلى معرفة الصحيح، والمدخل إلى معرفة الإكليل، وتاريخ نيسابور، وسؤالات السجزي له، وسؤالاته للدارقطني-، فهذه الكتب فيها من الدقة والتحرير ما يشهد بإمامة الحاكم وعلو كعبه، وعند النظر في المستدرك يجد الباحث أوهاماً شنيعة كتصحيح أسانيد على شرط الشيخين وفيها كذبة -وبعضهم وصفه الحاكم نفسه في كتبه الأخرى بالكذب-، واستدراك أحاديث على الشيخين أو أحدهما وهو مخرج بنفس الإسناد عندهما-أوصلها بعض الباحثين إلى مائتين- مما جعل ابن حجر يقول في تعقبها أحياناً:((وَقَالَ-أي الحاكم-: صحيح على شرطهما، قلتُ: هذه مجازفةٌ قبيحةٌ، فإنَّ عمرو بن الحصين كذبوه)) اتحاف المهرة (7/189).<o:p></o:p>
ويقول في موضع آخر:((وَقَالَ: صحيح الإسناد، كذا قَالَ! فزل زلة عظيمة، فإنّ خالد بن عمرو كذبوه)) اتحاف المهرة (6/117).<o:p></o:p>
ويقول:((حديث: من أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء..الحديث، الحاكم في الرقاق قَالَ: حَدّثنا عبد الباقي بن قانع الحافظ ببغداد قَالَ: حَدّثنا عبد الله بن أحمد بن الحسن المروزي قَالَ: حَدّثنا إسحاق بن بشر قَالَ: حَدّثنا مقاتل بن سليمان عن حماد عن إبراهيم عنه به، قلتُ: لم يتكلم عليه، وإسحاق ومقاتل متروكان، وما كنتُ أظن أن تبلغ به المجازفة فيه في الاستدراك على الصحيحين حتى يخرج عن مثل مقاتل)) اتحاف المهرة (10/338).<o:p></o:p>
ولولا خشية الإطالة لذكرت عشرات بل مئات الأمثلة على ذلك- ومجرد جرد كتاب "اتحاف المهرة " لابن حجر كاف في بيان ذلك-.<o:p></o:p>
وأحسن الأجوبة وأرجحها أنَّ الحاكم ألْف المستدرك في آخر عمره، وكان يتكل على حفظه،وقد حصل عنده نوعٌ من التغير، قَالَ ابن حجر:((أظنه في حال تصنيف المستدرك كان يتكل على حفظه، فلأجل هذا كثرت أوهامه)) اتحاف المهرة (1/510).<o:p></o:p>
فيحصر تساهل الحاكم في المستدرك فقط- على أنّ في المستدرك من الجرح والتعديل، وعلوم الحديث، والنقول عن أئمة الحديث، والفوائد الفقهية والعقدية ما يستحق أن يفرد في مجلد ضخم-، قَالَ المعلمي:((هذا وذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بالمستدرك فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها فيما أعلم)) التنكيل (1/561).<o:p></o:p>
و قَالَ ابن حجر:((والحاكم أجل قدراً وأعظم خطراً وأكبر ذكرا من أن يذكر في الضعفاء، لكن قيل في الأعتذار عنه أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره ، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها من ذلك أنه أخرج حديثا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكان قد ذكره في الضعفاء فَقَالَ: إنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أنَّ الحملَ فيها عليه، وَقَالَ في آخر الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتهم في هذا الكتاب ثبت عندي صدقهم لأنني لا استحل الجرح إلا مبينا ولا أجيزه تقليدا والذي اختار لطالب العلم أن لا يكتب حديث هؤلاء أصلا)) لسان الميزان (5/232).<o:p></o:p>
و لابن حجر كلامٌ حسنٌ عن المستدرك وتقسيم دقيق لأحاديث المستدرك قاله تعليقاً على قول ابن الصلاح:((وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به فالأولى أن نتوسط في أمره...)) يراجع: النكت على كتاب ابن الصلاح (1/312-319).<o:p></o:p>
وانظر لمزيد الفائدة: مجموع الفتاوى (1/ 253-255)، التنكيل (1/561) -وفيه كلام مطول عن الحاكم ومستدركه-.<o:p></o:p>
وإنما أطلتُ الكلام على الحاكم لأني رأيت عدداً من طلبة العلم لا يعرف عن الحاكم إلاّ أنه متساهل، من دون تحقيق في نوع التساهل، وهل هو عام في جميع كتبه أو في كتاب واحد فقط، وهل التساهل في الكتاب كله أو في بعضه...الخ، وعدمُ معرفة هذه الأمور ربما يفوت على طالب العلم القيمة العلمية لكتب الحاكم الأخرى، والله أعلم. <o:p></o:p>
([2])سير أعلام النبلاء (17/173)، طبقات الشافعية الكبرى (4/ 160). <o:p></o:p>
([3])العُقَيْليُّ هو: مُحمَّد بن عَمْرو أبو جعفر الحجازيُّ (؟-322) ، وهو من مدرسة الإمام البخاريّ منهجاً وطريقة -وإنْ كان من تلاميذ تلاميذ البخاريّ-.<o:p></o:p>
وقد ذُكر أنَّ له مصنفاً في "العلل"، وله كتاب الضعفاء قال عنه الذهبيُّ :((والعقيلي وله مصنف مفيد في معرفة الضعفاء )). الميزان (1/112)، وكتابه هذا طُبع باسم"الضعفاء الكبير"- واسمه الصحيح هو" كتاب الضعفاء، ومن نُسبَ إلى الكذب ووضع الحديث، ومن غَلَبَ على حديثه الوهم، ومن يُتهم في بعض حديثهِ، ومجهول روى ما لا يتابع عليه، وصاحب بدعة يغلو فيها ويدعو إليها، وإن كانت حاله في الحديث مستقيمة مؤلف على حروف المعجم" وقد نصَّ المحقق-وفقه الله- على هذا فقال :((واسم الكتاب حسب تسمية المصنف... )).ثم ذكره ، ولا أدري لِمَ لَمْ يثبته على غلاف الكتاب!-.<o:p></o:p>
وصناعة العلل واضحة في كتابه هذا، وتأثره بالإمام البخاريّ بيّن، وقد نقل عن البخاريّ في هذا الكتاب أكثر من ستمائة نصّ، وهناك رسالة علمية بعنوان "الأحاديثُ التي أعلها العُقيليّ في كتابهِ الضعفاء" لأحد الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود.<o:p></o:p>
وأنصحُ طالبَ الحديثِ أنْ يقرأ الكتابَ كاملاً، ويستخرج فوائده الكثيرة، فإنْ ضَعُفَ فلا يُغلب على قراءة مقدمة الكتاب.<o:p></o:p>
([4])سير أعلام النبلاء (15/237)، فتح المغيث (1/274) وَقَالَ :((وفي ترجمة العقيلي من الصلة لمسلمة بن قاسم..))، وحكى ابن عديّ عن عددٍ من مشايخه-ولم يسمهم- أنّ البخاري وقعت له قصة نحو هذه القصة انظرها في :أسامي من روى عنهم البخاري من مشايخه في الصحيح لابن عديّ (ص62)، وتاريخ بغداد (2/20).<o:p></o:p>
__________________
[============================]
لو علمتَ ما فعل أهلُ الحديثِ لسجدتَ للهِ شكراً أن جعلك من هذه الأمة.
فضيلة الشيخ / أبو إسحق الحويني [============================]
|