المقرر في قواعد الشريعة المقررة في القرآن الكريم
أن ميزان التفاضل والمنافسة بين الناس هو التقوى والعمل الصالح ،
كما قال سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات/13.
ومن المقرر أيضا في السنة النبوية أن العروبة مفضلة على غيرها من الأجناس ،
فقد اختار الله سبحانه وتعالى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم من العرب ،
وجعل القرآن – الذي هو الرسالة الخالدة – عربيا ،
واتفق أهل السنة والجماعة على أفضلية العروبة على غيرها من الأعراق والأنساب .
وليس بين التقريرين السابقين تعارض :
فتفضيل العروبة هو تفضيل جنس وليس تفضيل أفراد ،
فالعجمي المتقي الصالح خير من العربي المقصر في حق الله تعالى ،
وتفضيل العروبة إنما هو اختيار من الله تعالى ،
قد تظهر حكمته جلية ، وقد لا تكون ظاهرة لنا ،
إلا أن في العرب من الصفات والخلال ما يشير إلى وجه هذا التفضيل .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد ،
فإن في غير العرب خلقا كثيرا خيرا من أكثر العرب ،
وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش ،
وفي غير بني هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (19/29-30)
وقد كتب كثير من العلماء كتبا خاصة في هذا الموضوع ،
كالإمام ابن قتيبة في كتابه " فضل العرب والتنبيه على علومها"،
والإمام العراقي في "محجة القرب في فضل العرب"،
ونحوه للإمام الهيثمي ،
ومن المتأخرين العلامة مرعي الكرمي في رسالته
: " مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب "،
والشيخ بكر أبو زيد في " خصائص جزيرة العرب "، كلها تقرر الحقيقة السابقة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ، رحمه الله :
" الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم
: عبرانيهم ، وسريانيهم ، رومهم ، وفرسهم ، وغيرهم .وأن قريشا أفضل العرب ، وأن بني هاشم أفضل قريش ،
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم ،
فهو أفضل الخلق نفسا ، وأفضلهم نسبا .
وليس فضل العرب ، ثم قريش ، ثم بني هاشم ،
بمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم - وإن كان هذا من الفضل
- بل هم في أنفسهم أفضل ،
وبذلك ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نفسا ونسبا )
ويقول شيخ الاسلام ايضا (وسبب هذا الفضل - والله أعلم –
ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم ،
وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع ، وإما بالعمل الصالح ، والعلم له مبدأ ،
وهو قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم ،
وتمام وهو قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة ،
والعرب هم أفهم من غيرهم ، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة ،
ولسانهم أتم الألسنة بيانا ، وتمييزا للمعاني جمعا وفرقا ،
يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل .
وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق ، وهي الغرائز المخلوقة في النفس ،
وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم ،
فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة " انتهى.
"اقتضاء الصراط المستقيم" (148-162)
وقد زكر العلامة الاباني رحمه الله كلاما مشابه لذلك فقال
تحت الحديث رقم (163) الموضوع
" إذا ذلت العرب ذل الإسلام " .
[... ولولا أن في معناه ما يدل على بطلانه لاقتصرنا على تضعيفه ،
ذلك لأن الإسلام لا يرتبط عزه بالعرب فقط
بل قد يعزه الله بغيرهم من المؤمنين؛
كما وقع ذلك زمن الدولة العثمانية لا سيما في أوائل أمرها ،
فقد أعز الله بهم الإسلام حتى امتد سلطانه إلى أواسط أوربا
، ثم لما أخذوا يحيدون عن الشريعة إلى القوانين الأوربية؛
(يستبدلون الأدنى بالذي هو خير) ،تقلص سلطانهم عن تلك البلاد وغيرها
حتى لقد زال عن بلادهم!
فلم يبق فيها من المظاهر التي تدل على إسلامهم إلا الشيء اليسير !
فذل بذلك المسلمون جميعا بعد عزهم ، ودخل الكفار بلادهم ،
و استذلوهم إلا قليلا منها ،
وهذه و إن سلمت من استعمارهم إياها ظاهرا ، فهي تستعمرها بالخفاء
تحت ستار المشاريع الكثيرة كالاقتصاد ونحوه !
فثبت أن الإسلام يعز ، ويذل؛ بعز أهله وذله، سواء كانوا عربا ، أو عجما ،
((ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)) ، فاللهم أعز المسلمين ،
وألهمهم الرجوع إلى كتابك ، وسنة نبيك؛ حتى تعز بهم الإسلام .
بيد أن ذلك لا ينافي
أن يكون جنس العرب أفضل من جنس سائر الأمم ،
بل هذا هو الذي أؤمن به و أعتقده ، وأدين الله به
- وإن كنت ألبانيا فإني مسلم و لله الحمد –
ذلك؛ لأن ما ذكرته من أفضلية جنس العرب
هو الذي عليه أهل السنة والجماعة ،
ويدل عليه مجموعة من الأحاديث الواردة في هذا الباب؛
منها قوله صلى الله عليه وسلم :
(( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ،
واصطفى من بني كنانة قريشا ،
واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم )) .
رواه أحمد ( 4 / 107 ) و الترمذي ( 4 / 392 ) و صححه ،
وأصله في( صحيح مسلم ) ( 7 / 48 ) ، وكذا البخاري في " التاريخ الصغير " ( ص 6 ) من حديث واثلة بن الأسقع ، و له شاهد عن العباس بن عبد المطلب ، عند الترمذي و صححه ، و أحمد ، و آخر عن ابن عمر عند الحاكم ( 4 / 86 ) و صححه .
و لكن هذا ينبغي ألا يحمل العربي على الافتخار بجنسه ،
لأنه من أمور الجاهلية التي أبطلها نبينا محمد العربي صلى الله عليه وسلم على ما سبق بيانه ،
كما ينبغي أن لا نجهل السبب الذي به استحق العرب الأفضلية ،
وهو ما اختصوا به
في عقولهم
وألسنتهم
و أخلاقهم
و أعمالهم ، ا
لأمر الذي أهلهم لأن يكونوا حملة الدعوة الإسلامية إلى الأمم الأخرى ،
فإنه إذا عرف العربي هذا و حافظ عليه أمكنه أن يكون مثل سلفه؛
عضوا صالحا في حمل الدعوة الإسلامية ،
أما إذا هو تجرد من ذلك فليس له من الفضل شيء ،
بل الأعجمي الذي تخلق بالأخلاق الإسلامية هو خير منه دون شك ولا ريب ،
إذ الفضل الحقيقي إنما هو اتباع ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان و العلم ،
فكل من كان فيه أمكن ، كان أفضل ، و الفضل إنما هو بالأسماء المحددة في الكتاب و السنة
مثل الإسلام و الإيمان و البر و التقوى والعلم ، و العمل الصالح و الإحسان و نحو ذلك ،
لا بمجرد كون الإنسان عربيا أو أعجميا ، ك
ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، و إلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله :
(( من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه )) رواه مسلم
و لهذا قال الشاعر العربي :
لسنا و إن أحسابنا كرمـت يوما على الأحساب نتكل
نبني كـما كـانت أوائـلنا تبني ونـفعل مثل ما فعلوا
و جملة القول : إن فضل العرب إنما هو لمزايا تحققت فيهم
فإذا ذهبت بسبب إهمالهم لإسلامهم ذهب فضلهم ،
و من أخذ بها من الأعاجم كان خيرا منهم ، (( لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى )) .
ومن هنا يظهر ضلال من يدعو إلى العروبة
و هو لا يتصف بشيء من خصائصها المفضلة ، بل هو أوربي قلبا و قالبا ! ] أهـ السلسلة الضعيفة