لقد صدق على بن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال: (قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك).
إن فساد الدين أساسه فساد فئتين من الناس هم العلماء والحكام كما قال ابن المبارك رحمه الله:
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها لقد حط الله تعالى وخفض من منزلة علماء السوء الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، وقص علينا في القرآن من شأن هؤلاء ما فيه عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فذكر في سورة الأعراف مثلاً لهؤلاء هو ذلك العالم الذي آتاه الله آياته وعلمه اسمه الأعظم - كما يقول المفسرون - لكنه لم يقم بحق العلم، بل أخلد إلى الأرض واتبع هواه وانغمس في شهواته، وبدلاً من أن يرشد قومه إلى سبل الخير دلهم على سبل الشر، فاستحق ما وصفه الله به في نهاية الآيات {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الاعراف:175-176) .
وبغض النظر عن اسم هذا الرجل الذي قيل أنه (بلعام بن باعوراء) فإن الآية كما يقول القرطبي: (عامة في كل من تعلم القرآن ولم يعمل به، وألا يغتر أحد بعلمه ولا بعمله).
وضرب الله مثلاً آخر بعلماء اليهود الذين لم يعملوا بمقتضى العلم الذي حملوه، فقال في شأنهم: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين} (الجمعة:5) ، وقال في شأن علماء أهل الكتاب الذين استخدموا علمهم لأغراض دنيوية {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} (البقرة:79) ، وقال فيهم أيضاً: {إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} (التوبة:34) .