الدرس الثالث
منزلة السنة من القرآن وفي السنة
أولا : منزلة السنة من القرآن :
من المقرر أن ما جاء في السنة النبوية من الأحكام ، فإننا نجدها قد جاءت إما مفسرة لما جاء فيه ، أو مفصلة لمجمله ، أو مقيدة لمطلقه ، أو مخصصة لعام ما ورد فيه ، أو أنها أتت بأحكام جديدة سكت عنها ، فالسنة في الواقع تعد تطبيقا عمليا لما جاء في القرآن الكريم .
أولا : بيان ما أجمل في القرآن :
وذلك كما في العبادات ، ومنها الصلاة المفروضة ، فقد فرض الله تعالى الصلاة على المؤمنين من غير بيان لأوقاتها ، أو أراكانها وعدد ركعاتها ، فبين كل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ، قائلا لهم : ( ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ) . وفرض الحج من غير بيان مناسكه ، فبين صلى الله عليه وسلم تلك المناسك للمسلمين قائلا لهم : ( ( خذوا عني مناسككم ) ) .
وفرض الله الزكاة من غير بيان مقاديرها وأنصبتها ، فبين صلى الله عليه وسلم كل ذلك .
وكما تأتي السنة مبينة للمجمل ، تأتي مخصصة لعام ما ورد في القرآن الكريم ، من هذا ما ورد في بيان قوله تعالى : {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } ( النساء : 11 ) ، فهو حكم عام في وراثة الأولاد آباءهم وأمهاتهم ، يثبت في كل أصل مورث ، وكل ولد وارث ، لكن السنة خصصت هذا الحكم حين استثنت الأنبياء من هذا الحكم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) ) ، وخصصت الوارث بغير القاتل ، بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ( لا يرث القاتل ) ) .
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم : ( ( لا تنكح المرأة على عمتها ، ولا على خالتها ، ولا على ابنة أخيها ، ولا على ابنة أختها ، فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ) ) . فإنه مخصص للعموم في قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم } ( النساء : 24 ) .
ثانيا : تقيد المطلق في القرآن
والسنة النبوية كما خصصت العام من القرآن الكريم قيدت المطلق منه ، ومن أمثلة التقييد للمطلق ما ورد في قوله تعالى : } والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما { ( المائدة : 38 ) ، ذلك بأن الآية الكريمة لم تحدد موضع قطع اليد ؛ لأن اليد تطلق على الكف والساعد والذراع ، غير أن السنة حددت أن يكون القطع من الرسغ ، وذلك حينما أتي بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يده من مفصل الكف .
تأكيد وتقرير ما ورد في القرآن
قد تأتي السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم ، ومن ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم وغيرها من الأحكام .
وكقوله صلى الله عليه وسلم : ( ( اتقوا الله في النساء ، فإنهن عوان عندكم ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) ) . فهو يطابق قوله سبحانه : { وعاشروهن بالمعروف } ( النساء : 19 ) .
ففي مثل هذه الحالات يكون للحكم دليلان : أحدهما مثبت للحكم ، وهو النص الوارد في القرآن الكريم ، والثاني : مؤكد ومقرر له ، وهو النص الوارد في السنة النبوية .
وأخيرا قد تأتي السنة بحكم سكت عنه القرآن الكريم ، وذلك كالحكم بشاهد ويمين المدعي ، وثبوت ميراث الجدة ، ووجوب صدقة الفطر ، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ، ورجم الزاني المحصن ، واشتراط الشهادة في الزواج ، وحل ميتة البحر ، وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب ، وما إلى ذلك .
اتفق العلماء والمجتهدون على أن السنة النبوية الشريفة أصل من أصول التشريع الإسلامي ، يجب الأخذ بها إذا صحت وثبتت نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مستندين في ذلك إلى الأمور التالية :
الأمر الأول : الإيمان برسالة الإسلام :
إن من مقتضيات الإيمان بهذه الرسالة وجوب قبول كل ما يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الشرع ؛ لقوله تعالى : } يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل { ( النساء : 136 ) ، ولا شك في أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمين على شرع الله ، فهو لا يبلغ إلا ما يوحى إليه ، وهو أيضا معصوم ، حيث أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء ، ومن ثم وجب التأسي به والاحتجاج بسنته .
الأمر الثاني : القرآن الكريم :
حيث وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنص على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، منها قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } ( النساء : 59 ) ، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته .
وكقوله تعالى : { وأطيعوا الله والرسول واحذروا } ( المائدة : 92 ) ، كما أن الله تعالى بين أن طاعة ( الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة ) لله عز وجل في قوله تعالى {: من يطع الرسول فقد أطاع الله} ( النساء : 80 ) ، كما أنه سبحانه أمر المسلمين أن يأتمروا بأمر رسول الله ، وينتهوا بنهيه ، في قوله سبحانه : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ( الحشر : 7 ) ، وآيات أخرى كثيرة تدل على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم ، ورد الأمر إليه ، منها قوله تعالى : {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون } ( النور : 56 ) ، وقوله جل شأنه : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ( النساء : 75 ) ، وقوله سبحانه : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } ( الأحزاب : 86 ) .
هذا بالإضافة إلى الآيات الكريمة التي قرن الله فيها الحكمة مع الكتاب ، كقوله تعالى : } وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما { ( النساء : 113 ) ، فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المقصود بالحكمة هو السنة النبوية
الأمر الثالث : الحديث :
لقد وردت أحاديث كثيرة تدل على وجوب اتباع السنة ومصدريتها ، كأقواله صلى الله عليه وسلم : ( ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ) ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ) ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ( عليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) ) .
الأمر الرابع : الإجماع :
فقد أجمعت الأمة على وجوب العمل بالسنة ، ولهذا فقد قبل المسلمون السنة كما قبلوا القرآن الكريم ، واعتبروها المصدر الثاني للتشريع ؛ استجابة لله عز وجل وتأسيا برسوله صلى الله عليه وسلم .
هــــــــــــــــدا وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والخلفاء من بعده التابعين والأئمة المهدين
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد إلا أنت أستغفرك ربي وأتوب إليك
والحمد لله رب العالمين