الجهـاد روح الأمـة
يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنفال:24), فهذه الآية تصور أول مواجهة بين الحق والباطل لتعبر تعبيرا عميقا عن المنهج الذي يجب أن يسلكه المؤمن في تعامله مع الواقع .
إن الإسلام يوضح أعظم توضيح بأن الأمة حياتها في مواجهة الباطل لأنها تحمل الحق الذي فيه الروح التي بعث الله تعالى بها نبيه عليه الصلاة والسلام ليحيي بها الأمم: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الشورى:52), فهذه الروح الخاصة لكل فرد هي الإيمان الشخصي الذي يقذفه الله في قلوب الذي يريدون الحياة الآخرة مستعلين على الحياة الدنيا ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا لأن الإنسان بدون الإسلام الذي أراده الله تعالى ليس بحي وإنما ميت وإن كان متكبرا عنيدا يبطش بطش الجبارين لأن الله تعالى خالق البشر يبين هذه الحقيقة أنصع بيان بقوله: أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأنعام:122), ولكن لا يكفي وجود الروح في الإنسان لاستمراره في الحياة فلا بد من مقومات أخرى للحياة تضخ فيه مسبباتها وإذا انقطعت عنه لم تنفعه وجود الروح فيه ألا وهي ذكر الله تعالى قال سبحانه: ِإنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طه:14) وهكذا يبين العزيز الحكيم أن المؤمن الذي حصل على الروح التي تجعله من الأحياء لا بد لها من مقومات الاستمرار وهذه المقومات هي الأوامر الربانية والنبوية وأعظمها وعلى رأسها الجهاد الذي به تحيى الأمة وإذا فقدته ماتت ومات ذكرها وكما أن الجهاد حياة الأمة في الدنيا فكذلك هو الحياة في الآخرة قال تعالى:وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (البقرة:154), وقوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران :169), إنها أعظم حياة إنها الحياة المثالية فأنتم أيها الأحياء مع أنكم تشعرون بالحياة وتمارسونها إلا أنكم لا تستطيعون إدراك حياة الشهيد المثالية التي سمت أن يشعر بها الأحياء.
لقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام حقيقة الجهاد للأمة بقوله لمعاذ رضي الله عنه: وإن شئت أنبأتك برأس الأمر و عموده و ذروة سنامه قال : قلت أجل يا رسول الله قال : أما رأس الأمر فالإسلام و أما عموده فالصلاة و أما ذروة سنامه فالجهاد في سبيل الله أ.هـ صحيح (رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك ), فما أعظم هذا التعبير الذي يخرج من نبع جوامع الكلم فالإسلام بالنسبة للأمة كالرأس إذ لا حياة لمن لا رأس له, والسنام هو مخزن الطاقة وأسباب الحياة في الجمل الذي يمده بها ليقطع المسافات الطويلة في الأرض القاحلة وأعظم ما تكون أسباب الحياة في ذروة السنام أي في أعلاه وكذلك التشريعات الإسلامية هي السنام التي تزود المؤمن بأسباب الحياة ليقطع طريقه في الحياة الدنيا الموحشة القاحلة ليصل إلى الجنان والرياض ذوات الأنهار والأكل الدائم ليستريح من عناء خزن أسباب الحياة, وأعظم التشريعات وأعلاها هو الجهاد الذي إذا فُقد فقد دخل الوهن على حياة المسلم كما أن ذروة السنام إذا ذهبت لم ينفع وجود السنام, ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم,وفي رواية أخرى بلفظ: لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مزلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه, وفي رواية بلفظ: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر أرسل الله عليهم ذلا لايرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم أ.هـ صحيح (رواه أحمد وأبو داوود والبيهقي والطبراني وأبو نعيم).
وهذا الحديث يبين قاعدة إسلامية عظيمة وحكما ثابتا وتبيينا لحقيقة الواقع فإن الأمة إذا تركت الجهاد تسلط عليها عدوها فأدى ذلك إلى أن تترك دينها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم أ.هـ, فمجرد الرجوع إلى الدين فيه السبيل إلى خلاص الأمة من الذل ولم يقل ترجعوا إلى الجهاد لأن الأمة تكون في حالة تركها الجهاد قد خرجت من الإسلام , وعودتها إلى دينها وهو التوحيد يقتضي ممارسة أعظم شعائر الإسلام الذي به تحافظ على حياتها التي دبت بها بمجرد عودتها إلى دينها لأن أعداءها لن يقفوا مكتوفي الأيدي مصداقا لقوله تعالى: َولاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ..الآية (البقرة:217), والجهاد دليل صدق الإيمان قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (الحجرات:15), وقال تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(الحشر:8), وأمر الله تعالى أن يكون المؤمنون مع الصادقين وهم المجاهدين بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة:119).
واللفظ صريح قاطع وهو( ترجعوا ) والرجوع إلى الدين لا يكون إلا بعد مفارقته فهي الردة والخروج من الملة والدين هو توحيد الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(النحل:36), فقتال على غير توحيد إضاعة للمال والجهود والنفوس لغير قصد صحيح وتزداد حيرة الأمة وتيهها وبدل أن نصلح نفسد من حيث لا نشعر.
|